قضايا

664 مليون درهم تحت المجهر.. قضاة الحسابات يدققون في أموال عمومية استفادت منها آلاف الجمعيات

دخل تدبير الدعم العمومي الموجه إلى الجمعيات مرحلة جديدة من التدقيق، بعدما باشر قضاة المجلس الأعلى للحسابات عمليات افتحاص واسعة لملفات مالية مرتبطة بآلاف الجمعيات المستفيدة من تمويلات قدمتها جماعات ترابية ومؤسسات عمومية، مع تركيز خاص على مدى تطابق الأموال المصروفة مع الأنشطة والمشاريع التي التزمت الجهات المستفيدة بإنجازها.

وتشمل عمليات المراقبة، وفق المعطيات المتداولة بشأن هذه المهمة، أكثر من 2750 جمعية تنشط في مجالات متعددة، فيما يناهز الحجم الإجمالي للدعم العمومي موضوع الفحص 664 مليون درهم، أي ما يعادل 66.4 مليار سنتيم، وهو مبلغ يفسر اتساع نطاق عمليات المطابقة والتدقيق التي لا تقتصر على فحص الفواتير، وإنما تمتد إلى تتبع المسار الكامل للأموال العمومية.

الفواتير ووثائق الصرف في قلب الافتحاص

وتتركز أعمال قضاة الحسابات على الوثائق التي قدمتها الجمعيات لإثبات صرف الاعتمادات، من فواتير ومستندات أداء ووثائق محاسبية، إلى جانب التحقق من الخدمات والتجهيزات التي تم اقتناؤها فعلياً بواسطة الأموال المتلقاة في إطار اتفاقيات الدعم والشراكة.

ويشمل التدقيق أيضاً مقارنة النفقات المصرح بها مع الأنشطة والمشاريع التي جرى تنفيذها على أرض الواقع، بما يسمح بالوقوف على مدى احترام الجمعيات للالتزامات المحددة في الاتفاقيات الموقعة مع الجهات المانحة.

وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بنفقات لا يكفي فيها وجود فاتورة لإثبات إنجاز الخدمة، إذ يجري التحقق كذلك من طبيعة الخدمة أو المقتنى، وقيمته، ومدى ارتباطه فعلياً بالنشاط الذي حصلت الجمعية على التمويل من أجله.

الرياضة والثقافة والمشاريع الاجتماعية تحت التدقيق

وتهم عمليات الافتحاص جمعيات تنشط في عدد من المجالات، من بينها الرياضة والثقافة والتنشيط والتثمين السياحي والأنشطة الاجتماعية والتنموية، وهي مجالات تستفيد فيها جمعيات عديدة من منح عمومية في إطار اتفاقيات شراكة مع الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.

وتقوم فرق التدقيق بمقارنة البرامج التي التزمت الجمعيات بتنفيذها مع ما تحقق فعلياً، فضلاً عن فحص الوثائق المحاسبية وكشوف الحسابات البنكية، وذلك بهدف التأكد من أن الأموال العمومية استعملت في الأغراض المحددة لها ولم تخرج عن الإطار الذي رُصدت من أجله.

ولا تتوقف عملية المراقبة عند الجمعيات وحدها، إذ تمتد أيضاً إلى الجهات التي منحت الدعم، للتأكد من مدى قيامها بواجبات التتبع والمراقبة قبل صرف الاعتمادات وبعدها.

شبهات حول فواتير ووثائق تبريرية

وتشير المعطيات المرتبطة بعمليات الافتحاص إلى رصد حالات تتطلب مزيداً من التحقق بشأن قيم بعض الفواتير المقدمة لتبرير النفقات، إلى جانب وثائق صادرة عن موردين يجري التدقيق في مدى سلامتها ومطابقتها للعمليات التي يفترض أنها أنجزت لفائدة الجمعيات.

وفي ملفات أخرى، واجهت فرق الافتحاص صعوبات مرتبطة بعدم توفر بعض المسؤولين عن جمعيات على الوثائق الكاملة التي تبرر نفقات بمبالغ مهمة، ما دفع إلى العودة إلى مصادر محاسبية أخرى، خصوصاً الكشوف البنكية وباقي المستندات المتاحة، من أجل إعادة تشكيل مسار الأموال وتحديد أوجه استعمالها.

وتبقى هذه المعطيات في إطار عمليات الفحص والتدقيق، في انتظار استكمال المطابقة والاستماع إلى توضيحات المسؤولين المعنيين وتقييم الوثائق الإضافية التي قد تقدمها الجمعيات موضوع المراقبة.

مسؤولية الجهات المانحة تحت المجهر أيضاً

أحد الجوانب الأساسية في هذه المهمة الرقابية يتمثل في فحص الطريقة التي تدبر بها الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية عمليات منح الدعم، ومدى توفرها على آليات فعالة للتتبع والتقييم.

فالمسؤولية لا ترتبط فقط بالجمعية المستفيدة، وإنما تشمل كذلك الجهة التي قررت منح المال العمومي، خصوصاً عندما لا تكون هناك متابعة ميدانية كافية للمشاريع أو عندما يتم صرف دفعات جديدة دون التأكد من تنفيذ الالتزامات السابقة.

وسبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل، في تقريره السنوي برسم 2024 و2025، عدداً من النقائص في تدبير الدعم العمومي المقدم من الجماعات الترابية، من بينها ضعف التتبع الميداني، وعدم تفعيل بعض هياكل المراقبة المنصوص عليها في الاتفاقيات، ونقائص في تقديم الجمعيات لحسابات الأموال العمومية. كما أوصى بتحسين الإطار المؤطر للدعم وتحديد أهدافه ومساطر استرجاعه عند عدم تحقيق النتائج المتوخاة.

المال العام أمام اختبار التتبع والنتائج

وتضع هذه العمليات الرقابية ملف الدعم العمومي للجمعيات أمام سؤال يتجاوز مجرد سلامة الفواتير، ويتعلق بمدى تحقيق الأموال المصروفة للأهداف التي رُصدت من أجلها.

فوجود وثيقة محاسبية لا يعني وحده أن المشروع أنجز بالشكل المتفق عليه، وهو ما يجعل مطابقة الوثائق مع الواقع الميداني جزءاً أساسياً من عملية المراقبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتمويل أنشطة أو خدمات يصعب تقييمها بالوثائق المالية وحدها.

كما يطرح حجم الأموال العمومية الموجهة للجمعيات الحاجة إلى تطوير آليات أكثر صرامة ووضوحاً في اختيار المستفيدين، وتحديد الالتزامات، وربط صرف التمويل بمستوى تقدم المشاريع والأنشطة، فضلاً عن تعزيز الرقابة اللاحقة على الأموال العمومية.

الحسم بعد انتهاء عمليات التدقيق

ومن المنتظر أن تتضح الصورة النهائية للملفات المعنية بعد استكمال عمليات المطابقة وفحص الوثائق وتلقي أجوبة وتوضيحات المسؤولين عن الجمعيات والجهات المانحة.

وبناء على النتائج النهائية، يمكن تحديد طبيعة الاختلالات المثبتة في كل ملف، والتمييز بين الأخطاء التدبيرية والنقائص الإدارية وبين الحالات التي قد تستدعي إجراءات أو مسؤوليات وفقاً للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

وبذلك، فإن تدقيق مئات الملايين من الدراهم لا يمثل مجرد عملية محاسبية واسعة، بل يشكل اختباراً لمنظومة تدبير الدعم العمومي برمتها، من لحظة اتخاذ قرار التمويل إلى تحويل الأموال، ثم تنفيذ المشاريع، وانتهاءً بإثبات النتائج والإنجازات. وفي هذا المسار، يصبح الهدف الأساسي للرقابة هو ضمان أن يتحول المال العمومي إلى خدمات ومشاريع ملموسة، وأن تكون كل نفقة قابلة للتبرير والتتبع والمطابقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى