صحة

منظمة الصحة العالمية تحذر: ربع الأطباء يقتربون من التقاعد ونقص 11 مليون عامل صحي يهدد العالم بحلول 2030

دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الموارد البشرية في القطاع الصحي، محذرة من أن شيخوخة السكان تتزامن في عدد متزايد من الدول مع تقدم العاملين في المهن الصحية في السن، وهو ما قد يفاقم النقص العالمي في الأطباء والممرضين وباقي الأطر الصحية خلال السنوات المقبلة.

وجاء هذا التحذير في أحدث تقرير للمنظمة حول مستويات واتجاهات القوى العاملة الصحية، الصادر في شتنبر 2026، والذي يقدم صورة عالمية تستند إلى البيانات الرسمية التي وفرتها الدول ضمن نظام الحسابات الوطنية للقوى العاملة الصحية. وتظهر المعطيات أن عدد العاملين في قطاع الصحة والرعاية تجاوز حالياً 70 مليون شخص على مستوى العالم، مع تسجيل ارتفاع في كثافة العاملين الصحيين عالمياً بنسبة 52 في المائة منذ سنة 2006.

ربع الأطباء يقتربون من سن التقاعد

وتكشف المعطيات الأكثر إثارة للانتباه أن نحو طبيب واحد من كل أربعة أطباء حول العالم يبلغ من العمر 55 سنة أو أكثر، وبالتالي يوجد ضمن الفئة التي يتوقع أن تتقاعد خلال العقد المقبل، وذلك استناداً إلى أحدث البيانات المتاحة في 122 دولة.

وتزداد حدة الظاهرة في الدول ذات الدخل المرتفع، حيث يقترب المعدل من طبيب واحد من كل ثلاثة أطباء. وترى المنظمة أن هذا العامل الديموغرافي قد يضيف ضغطاً جديداً على أنظمة صحية تواجه أصلاً ارتفاع الطلب على الخدمات بسبب تقدم السكان في العمر.

ولا يتعلق الأمر بالأطباء وحدهم، إذ تشير المنظمة إلى أن شيخوخة القوى العاملة الصحية أصبحت عاملاً ينبغي أخذه في الاعتبار عند التخطيط للمستقبل، خصوصاً أن خروج أعداد كبيرة من ذوي الخبرة من سوق العمل الصحي يحتاج إلى سنوات من التكوين والتدريب لتعويضهم.

11.1 مليون عامل صحي مفقود بحلول 2030

وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يصل العجز العالمي في القوى العاملة الصحية إلى نحو 11.1 مليون عامل بحلول سنة 2030، وهو رقم يعكس استمرار الفجوة بين حاجيات السكان والموارد البشرية المتوفرة لتقديم الخدمات الصحية.

وتشير المنظمة إلى أن تقدير النقص العالمي عرف مراجعة مقارنة بتقديرات سابقة، إذ كان التقدير الصادر في 2022 يتحدث عن عجز يقارب 10 ملايين عامل صحي بحلول 2030، بينما أصبح التقدير الحالي في حدود 11 مليوناً، بما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالتكوين والتوظيف والتوزيع والاحتفاظ بالكفاءات الصحية.

وتحذر المنظمة من أن المشكلة لا ترتبط فقط بعدد العاملين، وإنما أيضاً بتوزيعهم بين الدول والمناطق، إذ لا تزال كثافة الأطباء والممرضين متفاوتة بشكل كبير بين مختلف أنحاء العالم.

فجوة ضخمة بين أوروبا وإفريقيا

وتقدم بيانات المنظمة صورة واضحة عن حجم التفاوت العالمي، إذ تبلغ كثافة الأطباء في إقليم المنظمة الأوروبي نحو 13 ضعف كثافتهم في الإقليم الإفريقي، بينما تبلغ كثافة الممرضين والقابلات في الإقليم الأوروبي نحو ستة أضعاف نظيرتها في الإقليم الإفريقي.

وتعني هذه الفوارق أن النقص المتوقع لن تكون له التأثيرات نفسها في جميع البلدان، إذ ستواجه الدول ذات الموارد المحدودة تحديات أكبر في تكوين واستبقاء أطرها الصحية، في وقت تمتلك فيه الدول ذات الدخل المرتفع قدرة أكبر على استقطاب الكفاءات من الخارج.

وتشير المنظمة، في معطياتها المتعلقة بالقوى العاملة الصحية، إلى أن النساء يشكلن نحو 67 في المائة من مجموع العاملين في القطاع الصحي عالمياً، وهو ما يجعل سياسات التكوين والتوظيف والاحتفاظ بالموارد البشرية مرتبطة أيضاً بالتحولات الاجتماعية والديموغرافية التي يعرفها القطاع.

67 دولة قد تواجه نقصاً في الأطر الصحية

ومن بين أكثر المعطيات دلالة في التقرير الجديد أن 67 دولة قد لا تتوفر بحلول سنة 2030 على العدد الكافي من العاملين الصحيين للحفاظ على تلبية الاحتياجات الصحية لسكانها.

ولا يتعلق الأمر فقط بإنتاج أطباء وممرضين جدد، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل التكوين، والتوظيف، والتوزيع الجغرافي، وظروف العمل، والاحتفاظ بالكفاءات، فضلاً عن القدرة على تعويض الأطر التي ستغادر المهنة بسبب التقاعد.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التخطيط للمستقبل أصبح أكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل تزامن عاملين متوازيين: ارتفاع متوسط أعمار السكان، وبالتالي ارتفاع الطلب على الرعاية الصحية، وتقدم سن جزء مهم من العاملين الذين يقدمون هذه الرعاية.

الدول الغنية أمام معادلة صعبة

المفارقة التي يبرزها التقرير أن الدول ذات الدخل المرتفع، رغم امتلاكها أعلى معدلات كثافة للعاملين الصحيين، ليست بمنأى عن أزمة الموارد البشرية.

فالعديد من هذه الدول تتوفر على نسبة مرتفعة من الأطباء والعاملين الصحيين الذين تجاوزوا 55 سنة، ما يعني أن جزءاً مهماً من مواردها البشرية الحالية سيدخل مرحلة التقاعد خلال السنوات العشر المقبلة.

وهذا الوضع قد يدفع بعض الأنظمة الصحية إلى البحث عن موارد بشرية إضافية من الخارج لتعويض النقص، الأمر الذي يثير في المقابل إشكالية هجرة الكفاءات الصحية من الدول التي تعاني أصلاً من خصاص في الأطر الطبية والتمريضية.

وقد سبق للمنظمة أن حذرت من أن الهجرة الدولية للعاملين الصحيين يمكن أن تزيد من حدة النقص، خصوصاً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، إذا لم تتم إدارة الاستقدام الدولي وفق مبادئ تضمن استدامة الأنظمة الصحية في البلدان المصدرة للكفاءات.

أكثر من 90 في المائة من الدول أبلغت عن بياناتها

وفي المقابل، تسجل منظمة الصحة العالمية تطوراً مهماً على مستوى توفر البيانات، إذ قامت أكثر من 90 في المائة من الدول الأعضاء بإرسال بيانات حول القوى العاملة الصحية خلال سنة 2025.

وتقول المنظمة إن توفر البيانات الخاصة بالقوى العاملة الصحية ارتفع بنحو عشرين مرة منذ إطلاق نظام الحسابات الوطنية للقوى العاملة الصحية سنة 2017، وهو ما يسمح بتحسين عملية التخطيط وتحديد مواطن الخصاص قبل تحولها إلى أزمات حادة.

الأزمة لا تتعلق بالعدد فقط

وتؤكد المعطيات الجديدة أن التحدي الذي يواجه القطاع الصحي العالمي لا يمكن اختزاله في إنتاج مزيد من الأطباء والممرضين فقط.

فحتى مع ارتفاع عدد العاملين الصحيين عالمياً، لا تزال الفوارق في التوزيع كبيرة، كما أن عدداً من المناطق تعاني من صعوبة في جذب الأطر الصحية والاحتفاظ بها، خصوصاً المناطق القروية والنائية والمناطق التي تعاني من محدودية الموارد.

كما أن ارتفاع الطلب على الخدمات الصحية بفعل الشيخوخة السكانية والأمراض المزمنة يفرض على الأنظمة الصحية أن تستبق التغيرات الديموغرافية بدلاً من الاكتفاء بتدبير الخصاص بعد وقوعه.

سباق مع الزمن قبل 2030

وتضع منظمة الصحة العالمية الحكومات أمام تحدٍ واضح خلال السنوات القليلة المقبلة: الاستثمار في تكوين أعداد كافية من العاملين الصحيين، تحسين ظروف العمل، توزيع الموارد البشرية بشكل أكثر عدالة، والاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب تطوير أنظمة البيانات التي تسمح بالتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية.

وتشير المنظمة إلى أن معالجة هذه الفجوة أصبحت جزءاً أساسياً من تعزيز الأنظمة الصحية والأمن الصحي وتحقيق التغطية الصحية الشاملة.

وبينما تجاوز عدد العاملين في الصحة والرعاية عالمياً 70 مليون شخص، تكشف الأرقام في الوقت نفسه أن النمو الكمي لا يلغي التفاوتات البنيوية، وأن العالم يتجه نحو مرحلة سيكون فيها تقاعد أعداد كبيرة من الأطباء والعاملين الصحيين، بالتزامن مع ارتفاع الحاجة إلى الخدمات الطبية.

وبحلول 2030، قد يجد 67 بلداً نفسه أمام قوة عاملة صحية غير كافية لتلبية احتياجات السكان، فيما يظل الرقم العالمي المتوقع للعجز في حدود 11.1 مليون عامل صحي، ما يجعل السنوات القليلة المقبلة مرحلة حاسمة في إعادة بناء وتخطيط الموارد البشرية الصحية على المستوى العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى