سياسة

حزب الاستقلال بجهة فاس-مكناس أمام اختبار صعب.. إستقالات تهز “الميزان” و ارتباك في التزكيات وانسحاب مرشح بتاونات وتوترات بفاس ومكناس

قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام وضع تنظيمي وانتخابي معقد في عدد من دوائر جهة فاس-مكناس، بعدما كشفت مسطرة التزكيات عن خلافات وتأخر في الحسم ببعض الدوائر، تلاها تطور جديد في دائرة تاونات-تيسة تمثل في سحب محمد سوفان ترشحه بعد إعلان تزكيته، بالتزامن مع استمرار التوترات داخل التنظيم الاستقلالي بفاس، واحتدام النقاش حول مرشحي الحزب بمكناس.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لحزب ظل تاريخياً يتمتع بامتداد انتخابي قوي في عدد من مناطق الجهة، إذ لم تكن لائحة الدفعة الأولى التي صادق عليها الحزب في يوليوز مكتملة على مستوى جهة فاس-مكناس، حيث غابت أسماء مرشحي أربع دوائر، هي فاس الشمالية ومكناس وإفران وتاونات-تيسة، بينما حسم الحزب في سبع دوائر أخرى.

تاونات-تيسة.. تزكية ثم انسحاب في ظرف قياسي

أحدث التطورات وأكثرها دلالة جاء من دائرة تاونات-تيسة، حيث أعلن حزب الاستقلال في الدفعة الثانية من تزكياته، المصادق عليها في اجتماع اللجنة التنفيذية يوم 3 غشت، عن ترشيح محمد سوفان وكيلاً للائحة الحزب بالدائرة.

غير أن هذا الترشيح لم يستمر طويلاً، إذ تقدم سوفان بطلب خطي إلى المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بتاونات أعلن فيه سحب ترشحه وعدم الاستمرار في خوض الانتخابات باسم الحزب، مكتفياً بالإشارة إلى أسباب شخصية من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعتها.

ويضع هذا الانسحاب قيادة الحزب مجدداً أمام ضرورة تدبير ملف التزكية في دائرة انتخابية ذات وزن سياسي وانتخابي، بعدما ظلت الدائرة نفسها ضمن الملفات التي تأخر حسمها خلال الدفعة الأولى من مرشحي الحزب.

وكان حزب الاستقلال قد نفى في الخامس من غشت أن يكون قد حسم بشكل نهائي اسم وكيل لائحته بتاونات-تيسة، قبل أن يعلن لاحقاً ضمن دفعة 3 غشت عن تزكية سوفان، وهو ما يوضح حجم الحركة التي عرفها هذا الملف خلال فترة قصيرة.

وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط إحراجاً للحزب على المستوى الجهوي: تزكية معلنة، ثم انسحاب سريع، بما يفرض البحث عن بديل في دائرة لا تسمح ظروفها الانتخابية بكثير من هامش المناورة.

فاس.. أزمة تنظيمية سبقت أزمة التزكيات

في العاصمة العلمية، لم يبدأ النقاش مع إعلان لوائح المرشحين، بل ظهرت مؤشرات التوتر داخل التنظيم الاستقلالي منذ أشهر.

وكان إدريس أبلهاض، الكاتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب بفاس، قد عبّر عبر تدوينات عن انتقادات لطريقة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية، وتحدث عن تغييب الذراع النقابي عن بعض الاجتماعات واللقاءات التنظيمية، مقابل حضور أطراف وصفها بأنها خارج التنظيم الحزبي. كما نقلت مصادر استقلالية أن أبلهاض كان يرغب في الترشح باسم الحزب خلال الاستحقاقات المقبلة.

وتحولت هذه القضية إلى واحد من الملفات التي عكست حجم التوتر داخل البيت الاستقلالي بفاس، خصوصاً في ظل العلاقة التاريخية بين الحزب وذراعه النقابي، وما يمثله الاتحاد العام للشغالين بالمغرب من امتداد تنظيمي وانتخابي للحزب.

ومع اقتراب الاستحقاق التشريعي، أصبحت مسألة التزكيات أكثر حساسية، بعدما ارتبطت بها حسابات متعددة داخل التنظيم، خصوصاً في دائرتي فاس الشمالية والجنوبية.

فاس الشمالية.. رحيل عبد المجيد الفاسي وقرار القيادة

زاد انسحاب عبد المجيد الفاسي الفهري من مجلس النواب من تعقيد وضعية الحزب بالدائرة الشمالية.

وكان الفاسي قد قدم استقالته من مجلس النواب تمهيداً للالتحاق بالهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، وهو ما ترك الحزب أمام ضرورة البحث عن مرشح جديد في دائرة كانت مرتبطة باسمه خلال الولاية السابقة.

وفي مرحلة أولى، ظل اسم إدريس أبلهاض متداولاً بقوة داخل الأوساط الاستقلالية بفاس باعتباره أحد الأسماء التي كانت تطالب بها أصوات من داخل التنظيم، خصوصاً في ظل حضوره الحزبي والنقابي.

لكن قيادة الحزب اتجهت في النهاية إلى خيار آخر، إذ حسمت تزكية فاس الشمالية لفائدة البرلماني السابق حسن سليغوة ضمن الدفعة الثانية من مرشحي الحزب.

وبذلك أُغلق رسمياً ملف التزكية، لكن القرار فتح في المقابل نقاشاً سياسياً داخل البيت الاستقلالي حول طبيعة الاختيارات ومعاييرها، في وقت كانت فيه أصوات نقابية وحزبية قد طالبت بإشراك وجوه التنظيم المحلي في عملية الإعداد للانتخابات.

الدائرة الجنوبية.. علال العمراوي أمام معركة داخلية وخارجية

في فاس الجنوبية، اختار الحزب الاستمرار مع علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب، بعدما ضمته الدفعة الأولى إلى لائحة مرشحي جهة فاس-مكناس.

غير أن استمرار العمراوي في الواجهة الانتخابية لا يعني أن الطريق أمام الحزب أصبح سالكاً، إذ تعرف الدائرة منافسة قوية من عدة اتجاهات، كما أن النقاش الداخلي حول طريقة تدبير الترشيحات أدى، وفق معطيات منشورة، إلى حالة من الاستياء داخل بعض الأوساط الاستقلالية.

وتزداد حساسية الوضع مع انتقال عدد من الأسماء والفاعلين الانتخابيين إلى أحزاب أخرى أو بحثهم عن مظلات سياسية جديدة، وهو ما يجعل بعض الاستقلاليين أمام خيارين: إما دعم اللائحة الحزبية رغم الخلافات، أو خوض المنافسة من مواقع حزبية أخرى.

وهذا النوع من إعادة التموضع لا يقتصر أثره على المرشح المغادر، بل يمكن أن يعيد توزيع الأصوات داخل الدائرة ويؤثر في موازين القوى بين مختلف اللوائح.

و أمام ظهور من سيكون وصيفا للعمراوي إندلعت حروب الإستقالات بحي قدم محمد الإدريسي إستقالته من الحزب بعد أن تم خذلانه حسب قوله، و أتبعه مناضلين كثرين داخل الحزب و ان بعض الكوادر و المؤسسين للحزب بسايس قرروا مغادرة الميزان و دعم أحزاب اخرى بسبب القرارات الفردية و لا مسؤولة.

استقالات وتموقعات جديدة.. هل يتحول الخلاف إلى نزيف انتخابي؟

الاستقالات، عندما تقع في فترة ما قبل الانتخابات، لا تكون مجرد إجراءات تنظيمية داخلية، لأنها غالباً ما تحمل معها شبكات من العلاقات والمنتخبين والمتعاطفين.

ولهذا، فإن أي خروج لوجه حزبي أو انتخابي وازن من حزب الاستقلال بجهة فاس-مكناس يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في المعركة الانتخابية، خصوصاً إذا انتقل المعني بالأمر إلى حزب منافس.

وتظهر مدينة فاس مثالاً واضحاً على هذا النوع من إعادة ترتيب المشهد، إذ سبق أن شهدت الدائرة الجنوبية انتقال خالد العجلي من التجمع الوطني للأحرار إلى الحركة الشعبية، بعدما حسم ترشيحه باسم “السنبلة”، في حين دخلت أسماء أخرى على خط المنافسة في الدائرتين الشمالية والجنوبية.

وبالنسبة إلى حزب الاستقلال، فإن التحدي لا يكمن فقط في اختيار المرشح، وإنما في المحافظة على وحدة التنظيم خلف المرشح الذي تم اختياره، وهو ما سيكون الاختبار الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة.

مكناس.. نهاية مرحلة آل الأنصاري؟

في مكناس، اتخذ ملف التزكيات منحى آخر، بعدما حسم حزب الاستقلال رسمياً ترشيح حسن اليمني بدائرة مكناس، لينتهي بذلك عملياً النقاش الذي رافق اسم مروى الأنصاري، البرلمانية الحالية، والتي كانت من أبرز الأسماء المتداولة لنيل التزكية.

وكان ملف مروى الأنصاري قد ارتبط منذ أشهر بنقاش واسع داخل الأوساط السياسية المحلية، خصوصاً بالنظر إلى حضور والدها عبد الواحد الأنصاري، رئيس مجلس جهة فاس-مكناس، داخل حزب الاستقلال.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المنافسة على تزكية مكناس كانت قوية، وأن اسم مروى الأنصاري كان ضمن أبرز الأسماء المطروحة، قبل أن تحسم القيادة المركزية في اتجاه تزكية حسن اليمني.

ويأتي هذا القرار في ظرف لا يزال فيه مستقبل عبد الواحد الأنصاري السياسي داخل الحزب محل ترقب، بعدما غابت تزكيته عن الدفعة الأولى، ثم تم لاحقاً حسم دائرة مكناس لفائدة اسم آخر.

وبالتالي، فإن السؤال في مكناس لم يعد مرتبطاً فقط بمن سيقود لائحة الحزب، وإنما أيضاً بما إذا كان القرار الأخير سيعيد ترتيب موازين القوى داخل التنظيم الاستقلالي بالمدينة.

قرارات القيادة الجهوية تحت المجهر

وسط هذه التطورات، تتزايد الانتقادات داخل بعض الأوساط الاستقلالية لطريقة تدبير مرحلة ما قبل الانتخابات، وتوجه أصابع النقاش نحو تدبير القيادة الجهوية للحزب لمسألة الترشيحات والعلاقة مع التنظيمات المحلية والذراع النقابي.

لكن من المهم التمييز بين الوقائع المؤكدة وبين المواقف المنسوبة إلى مصادر حزبية؛ فالمعطيات المنشورة تثبت وجود تأخر في حسم عدد من دوائر الجهة، وخلافات حول مسار التزكيات، واستقالة عبد المجيد الفاسي من البرلمان، ثم سحب محمد سوفان ترشحه بعد تزكيته، بينما لا توجد معطيات رسمية منشورة تثبت أن قيادة الحزب اتخذت قراراتها بقصد إضعاف مرشح بعينه أو دفع أعضاء الحزب إلى الترشح بألوان سياسية منافسة.

وهذا التفريق يصبح ضرورياً في مرحلة انتخابية حساسة، لأن الصراع السياسي الداخلي لا ينبغي أن يتحول إلى وقائع مفترضة ما لم تؤكدها الجهات المعنية.

حزب الاستقلال أمام امتحان الحفاظ على قلاعه الانتخابية

المؤكد أن حزب الاستقلال يدخل المرحلة الأخيرة قبل انتخابات 23 شتنبر في جهة فاس-مكناس وسط وضع أكثر تعقيداً مما كان عليه في بداية السنة.

فالحزب الذي ظل يحتفظ بحضور تاريخي في فاس ومكناس وتاونات وعدد من أقاليم الجهة، أصبح مطالباً اليوم بتدبير ملفات التزكيات، وضمان وحدة قواعده المحلية، واحتواء الخلافات بين مكوناته، والحفاظ على مرشحيه من الانسحاب أو الانتقال إلى أحزاب أخرى.

وتكشف لائحة المرشحين التي أعلنها الحزب على دفعتين أن القيادة المركزية اعتمدت مسطرة تدريجية للحسم، وربطت الاختيار بمعايير قالت إنها تشمل الكفاءة والنزاهة والحضور الميداني والرصيد الشعبي وحظوظ الفوز، إلى جانب تقييم أداء النواب الحاليين.

لكن التطبيق الميداني لهذه المعايير يواجه الآن اختباراً سياسياً حقيقياً: هل تستطيع القيادة تحويل قرارات التزكية إلى تعبئة موحدة داخل القواعد، أم أن الخلافات التي رافقت مرحلة الاختيار ستنتقل إلى يوم الاقتراع؟

ما بعد التزكية هو المعركة الحقيقية

مع بقاء ما يزيد قليلاً عن خمسة أسابيع على موعد 23 شتنبر، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى حزب الاستقلال هي الإعلان عن أسماء المرشحين فقط، بل ضمان أن تتحول هذه الأسماء إلى لوائح انتخابية مدعومة فعلياً من التنظيمات المحلية والمنتخبين والمناضلين.

ففي تاونات-تيسة، أدى انسحاب محمد سوفان بعد تزكيته إلى إعادة فتح الملف. وفي فاس الشمالية، انتهى فراغ الترشيح بتقديم حسن سليغوة بعد استقالة عبد المجيد الفاسي من البرلمان. وفي مكناس، حسمت القيادة اسم حسن اليمني بعد منافسة كان اسم مروى الأنصاري أحد أبرز أطرافها. أما في فاس، فإن التوتر الذي سبق التزكيات، ولا سيما العلاقة مع الذراع النقابي، يظل أحد الملفات التي ستحدد قدرة الحزب على توحيد صفوفه.

وهكذا، فإن المعركة الانتخابية لحزب الاستقلال بجهة فاس-مكناس بدأت فعلياً قبل موعد الاقتراع. وهي اليوم معركة مزدوجة: معركة خارجية ضد المنافسين على المقاعد البرلمانية، ومعركة داخلية للحفاظ على وحدة “الميزان” ومنع الخلافات حول التزكيات من التحول إلى أصوات انتخابية مشتتة.

وفي انتظار استكمال الصورة النهائية للترشيحات، تبقى جهة فاس-مكناس واحدة من أكثر الجهات التي ستختبر قدرة حزب الاستقلال على تدبير التنافس الداخلي، والحفاظ على رصيده التاريخي، وتحويل حضوره التنظيمي إلى نتائج انتخابية في استحقاق 23 شتنبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى