سياسة

ليلة حاسمة في بولمان.. شوكي يكتسح والعنصر يتلقى هزيمة ثقيلة وعامل الإقليم في قلب الميدان

أعادت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 رسم موازين القوى داخل دائرة بولمان، بعدما تمكن محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، من تحقيق اكتساح انتخابي واضح، متصدراً النتائج بـ18 ألفاً و687 صوتاً، في واحدة من أقوى النتائج المسجلة بالدائرة، ومتقدماً بفارق كبير عن أقرب منافسيه، في وقت شكل سقوط امحند العنصر، الوزير الأسبق والأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، أبرز مفاجآت هذا الاستحقاق.

وأعلنت السلطات بإقليم بولمان النتائج النهائية للاقتراع، الذي سجل نسبة مشاركة بلغت 57,53 في المائة، حيث جاء رشيد حموني، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية، في المرتبة الثانية بـ7 آلاف و815 صوتاً، فيما حل محمد الميري، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، ثالثاً بـ4 آلاف و817 صوتاً. أما امحند العنصر فجاء في المرتبة الخامسة بـ3 آلاف و738 صوتاً، وهي نتيجة أبعدته عن المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة، وأغلقت عملياً أمامه باب العودة إلى مجلس النواب.

وتكتسي نتيجة شوكي أهمية تتجاوز مجرد الفوز بمقعد برلماني، بالنظر إلى أن الرجل يخوض الانتخابات في مسقط رأسه بولمان، ويقود في الوقت نفسه حزب التجمع الوطني للأحرار على المستوى الوطني. وكان شوكي قد فاز في الانتخابات السابقة بالدائرة نفسها بـ28 ألفاً و802 صوت، قبل أن يتدرج داخل الحزب في عدد من المسؤوليات التنظيمية والبرلمانية، وصولاً إلى انتخابه رئيساً للحزب في فبراير 2026.

وبهذه النتيجة، يؤكد شوكي حضوره الانتخابي في بولمان، ويضيف إلى موقعه على رأس التجمع الوطني للأحرار رصيداً انتخابياً جديداً، في دائرة ظلت لسنوات مرتبطة بأسماء سياسية وازنة، قبل أن تكشف نتائج 2026 عن تحول واضح في موازين القوة.

وفي الجهة المقابلة، جاءت هزيمة امحند العنصر ثقيلة سياسياً، ليس فقط بسبب عدم تمكنه من الظفر بأحد المقاعد الثلاثة، وإنما أيضاً بالنظر إلى الرمزية التي يمثلها الرجل داخل الحركة الشعبية وفي دائرة بولمان تحديداً. فقد ظل العنصر واحداً من أبرز الوجوه السياسية المغربية على مدى عقود، وتولى مناصب حكومية وحزبية وبرلمانية متعددة، كما ارتبط اسمه انتخابياً بالدائرة منذ سنوات طويلة.

وكانت عودة العنصر إلى المنافسة الانتخابية في 2026 بحد ذاتها حدثاً سياسياً، بعدما اختار الحزب تقديمه بدلاً من نجله حسن العنصر، الذي مثل الحركة الشعبية بالدائرة خلال الولاية السابقة. وكانت قيادة الحزب قد أكدت قبل الانتخابات أن ترشيح العنصر جاء بعد رغبة محلية وحزبية في عودته إلى المنافسة، وهو ما جعل المعركة في بولمان تحظى باهتمام خاص منذ بداية الحملة.

غير أن صناديق الاقتراع قدمت جواباً مختلفاً تماماً. فالفارق بين شوكي والعنصر لم يكن هامشياً، إذ حصل الأول على 18 ألفاً و687 صوتاً مقابل 3 آلاف و738 صوتاً للعنصر، بفارق يقارب 15 ألف صوت، في نتيجة تعكس حجم التحول الذي عرفته الدائرة مقارنة بصورة العنصر التاريخية فيها.

وكان يمكن، من زاوية سياسية، أن يختار العنصر عدم العودة إلى الترشح المباشر، خصوصاً بالنظر إلى تقدمه الكبير في السن وطول المسار السياسي الذي راكمه، غير أن القرار النهائي اتجه نحو خوض المنافسة من جديد. وتربط قراءات محلية هذا القرار أيضاً برغبة الحركة الشعبية في استعادة المقعد الذي حافظت عليه في الانتخابات السابقة عبر نجله حسن العنصر، بعدما لم تحقق تجربة الولاية السابقة النتائج التي كان الحزب يطمح إليها وفق قراءات سياسية محلية. غير أن وصف تلك الحصيلة بأنها «صفر» يبقى توصيفاً سياسياً، في حين أن الثابت انتخابياً هو أن المقعد الذي حصلت عليه الحركة الشعبية في 2021 لم تتمكن من الاحتفاظ به في اقتراع 2026.

وتزداد دلالة هذه النتيجة عندما توضع في سياق التحول الذي عرفته بولمان خلال السنوات الأخيرة. فالدائرة التي كانت تشهد حضوراً قوياً للحركة الشعبية وقوى سياسية تقليدية، أصبحت أكثر انفتاحاً على المنافسة، فيما تمكن التجمع الوطني للأحرار منذ انتخابات 2021 من تصدرها بواسطة شوكي، قبل أن يعزز موقعه في انتخابات 2026 بنتيجة أكبر من تلك التي حققها قبل خمس سنوات.

ولم تكن الانتخابات في بولمان مجرد مواجهة بين أسماء سياسية، بل كانت أيضاً اختباراً للشبكات الانتخابية وقدرة الأحزاب على الحضور الميداني والتواصل مع الناخبين. وتظهر النتائج أن الرصيد التاريخي وحده لم يعد كافياً لضمان الاحتفاظ بالمقعد، وأن الناخبين في الدائرة أعادوا ترتيب اختياراتهم على نحو أفضى إلى صعود شوكي وحموني والميري، مقابل خروج اسم سياسي بحجم امحند العنصر من السباق البرلماني.

وبالتوازي مع المعركة السياسية، شكل التدبير الإداري والأمني للاستحقاق أحد العناصر الأساسية في نجاح العملية الانتخابية بإقليم بولمان. فقد سبقت يوم الاقتراع تعبئة ميدانية واسعة للسلطات الإقليمية، حيث قام عامل إقليم بولمان، علال الباز، مرفوقاً برئيس قسم الشؤون الداخلية، بجولات تفقدية لعدد من مراكز ومكاتب التصويت، للوقوف على جاهزية الفضاءات واستكمال الترتيبات التنظيمية واللوجستيكية.

وامتدت هذه المواكبة إلى يوم الاقتراع، حيث حرصت السلطات على تتبع مختلف مراحل العملية، من فتح مكاتب التصويت واستقبال الناخبين إلى إغلاق الصناديق والفرز وإحصاء الأصوات. وتندرج هذه التحركات ضمن الترتيبات التي اعتمدتها السلطات لتأمين الاستحقاق وضمان احترام المساطر القانونية وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.

وعلى المستوى الوطني، أعلنت وزارة الداخلية أن عملية الاقتراع جرت في ظروف عادية بمختلف جهات المملكة، باستثناء بعض الحالات المعزولة جداً التي همت عدداً محدوداً من مكاتب التصويت، كما أكدت أن عمليات الفرز والإحصاء انطلقت في مناخ إيجابي وبحضور ممثلي لوائح الترشيح.

وفي بولمان تحديداً، تعكس نسبة المشاركة البالغة 57,53 في المائة حجم الحضور الانتخابي في الدائرة، حيث أدلى 58 ألفاً و630 ناخباً بأصواتهم من أصل هيئة ناخبة تضم أكثر من 101 ألف ناخب وناخبة، فيما بلغ عدد الأوراق الملغاة 11 ألفاً و294 ورقة. كما جرى اعتماد 29 مكتباً مركزياً على مستوى الدائرة لتدبير عمليات الإحصاء المرتبطة بالاقتراع.

وتكشف الخريطة الجديدة التي أفرزتها صناديق بولمان أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة بالنسبة إلى عدد من الأحزاب والشخصيات. فالتجمع الوطني للأحرار يدخلها بقيادة شوكي وبزخم انتخابي قوي، والتقدم والاشتراكية يحافظ على موقعه من خلال رشيد حموني، بينما يبقى الأصالة والمعاصرة حاضراً عبر محمد الميري، في حين تجد الحركة الشعبية نفسها أمام ضرورة مراجعة موقعها واستراتيجيتها داخل دائرة فقدت فيها مقعداً ارتبط بها لسنوات.

أما بالنسبة إلى امحند العنصر، فإن عدم تمكنه من العودة إلى البرلمان يشكل بالتأكيد محطة ثقيلة في مساره السياسي الطويل، ويفتح الباب أمام أسئلة حول مستقبل حضوره المباشر في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالرجل الذي راكم أكثر من أربعة عقود من العمل السياسي وجد نفسه هذه المرة خارج المؤسسة التشريعية، في دائرة ارتبط اسمه بها لسنوات، وفي مواجهة انتخابية انتهت بفارق كبير عن المتصدر.

وهكذا، لم تمنح بولمان محمد شوكي مقعداً برلمانياً جديداً فقط، بل وجهت رسالة سياسية واضحة بشأن تغير موازين القوى داخل دائرة كانت تعد لسنوات مجالاً لنفوذ أسماء حزبية تاريخية. وفي المقابل، شكل سقوط العنصر أحد أكبر عناوين انتخابات 2026 بجهة فاس مكناس، بينما أكدت السلطات الإقليمية أن العملية الانتخابية مرت في أجواء منظمة وتحت مواكبة ميدانية مكثفة، لتترك النتائج النهائية صناديق الاقتراع وحدها تتحدث عن حجم التحول الذي عرفته بولمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى