سياسة

نشاط حزبي داخل مقر جماعة تمزكانة بإقليم تاونات يفجر الجدل.. هل تحولت المؤسسات العمومية إلى مقرات انتخابية سابقة لأوانها؟

أثار تنظيم نشاط حزبي داخل مقر جماعة تمزكانة بإقليم تاونات موجة استياء وتساؤلات واسعة وسط متابعين للشأن المحلي، بعدما احتضنت قاعة الاجتماعات الرسمية التابعة للجماعة لقاء ذا طابع سياسي وحزبي، في مشهد وصفه فاعلون ومهتمون بـ”السقطة السياسية والإدارية الخطيرة” التي تضرب في العمق مبدأ حياد المرفق العمومي وتكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية.

الواقعة، التي وُثقت من خلال معطيات متداولة محلياً، وضعت رئيس الجماعة، الذي يشغل في الآن ذاته صفة سياسية وحزبية، وهو محمد أحجيرة رئيس الجماعة ذاتها و منسق جهوي لحزب الأصالة و المعاصرة و برلماني عن دائرة تاونات، في قلب عاصفة من الانتقادات، خاصة أن اللقاء لم يُعقد في فضاء خاص أو مقر حزبي، بل داخل مؤسسة عمومية يفترض فيها أن تبقى على مسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسيين.

وتزداد خطورة الواقعة، بحسب متابعين، لكون النشاط الحزبي تم داخل قاعة الاجتماعات الرسمية للجماعة، وهي الفضاء الذي تُناقش فيه ملفات المواطنين وقضايا التنمية المحلية وتُتخذ فيه القرارات المرتبطة بالشأن العام، ما يطرح علامات استفهام ثقيلة حول الحدود الفاصلة بين تدبير الشأن المحلي والعمل الحزبي الضيق.

ويرى متابعون أن ما وقع بجماعة تمزكانة يتجاوز مجرد “خطأ بروتوكولي”، ليمس بشكل مباشر قواعد الحكامة الجيدة واحترام حياد الإدارة الترابية والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً في ظل التعليمات الصارمة الصادرة عن وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة، والتي شددت مراراً على منع استغلال المرافق والتجهيزات العمومية في أي نشاط ذي طبيعة انتخابية أو حزبية.

وتطرح الواقعة أيضاً أسئلة محرجة حول مدى احترام القوانين المؤطرة لاستعمال الممتلكات الجماعية، خاصة أن استعمال مقر جماعة ترابية في نشاط سياسي قد يُفهم على أنه توظيف لمؤسسة عمومية لفائدة جهة حزبية معينة، وهو ما يمس بمبدأ المساواة بين الفاعلين السياسيين ويخلق نوعاً من الامتياز غير المشروع داخل المجال الترابي نفسه.

كما يتساءل متابعون عن طبيعة الترخيص الذي تم بناء عليه احتضان اللقاء داخل مقر الجماعة، وهل تم احترام المساطر القانونية والإدارية الجاري بها العمل، أم أن الأمر تم بمنطق “النفوذ السياسي” الذي يسمح بخلط العمل المؤسساتي بالنشاط الحزبي في غياب أي رقابة حقيقية.

وفي خضم هذا الجدل، تعود إلى الواجهة قضية تسخير وسائل الجماعات الترابية في الأنشطة السياسية، حيث يطالب متابعون بفتح توضيحات دقيقة حول ما إذا كانت موارد الجماعة، سواء اللوجستيكية أو البشرية أو التقنية، قد استُعملت خلال هذا اللقاء الحزبي، خاصة وأن مثل هذه الممارسات تُثير شبهة استغلال المال والوسائل العمومية لأغراض سياسية وانتخابية.

وتزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى الحضور السياسي البارز لبعض القيادات الحزبية في هذا النشاط، من ضمنها البرلماني والمنسق الجهوي للحزب المعني، ما جعل أصابع الاتهام تتجه نحو مسؤولية سياسية مباشرة في تمرير هذا “الخلط الخطير” بين الحزب والإدارة.

ويعتبر متابعون أن أخطر ما في هذه الواقعة هو الرسالة السلبية التي تبعثها للمواطنين، في وقت يفترض فيه تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة وترسيخ قواعد الشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا تكريس صورة الإدارة كامتداد للتنظيمات الحزبية.

كما أن تحويل مقر جماعة ترابية إلى فضاء للقاءات السياسية يطرح إشكالاً عميقاً يتعلق باحترام التعددية السياسية، إذ كيف يمكن لباقي الأحزاب أن تشعر بتكافؤ الفرص داخل جماعة تُستعمل مرافقها العمومية بشكل حصري أو شبه حصري لفائدة طرف سياسي بعينه؟

ويرى فاعلون محليون أن الواقعة تستوجب تدخلاً واضحاً من السلطات الإقليمية المختصة من أجل ترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة، وفتح تحقيق إداري لتحديد ظروف تنظيم النشاط الحزبي داخل مقر الجماعة، ومدى احترام القوانين المنظمة لاستعمال الفضاءات العمومية التابعة للمؤسسات المنتخبة.

وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حدود التداخل بين العمل الحزبي وتدبير الشأن المحلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث ترتفع المخاوف من استغلال بعض المنتخبين لمواقعهم المؤسساتية ونفوذهم الترابي في بناء حملات سياسية مبكرة باستعمال إمكانيات يفترض أنها مخصصة لخدمة المواطنين وليس لخدمة الأجندات الحزبية.

وفي انتظار أي توضيح رسمي بخصوص ما جرى داخل مقر جماعة تمزكانة، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً بقوة:
هل نحن أمام مجرد تجاوز معزول،
أم أن بعض الجماعات الترابية بدأت تتحول تدريجياً إلى امتدادات تنظيمية للأحزاب السياسية في خرق واضح لروح القانون ولمبادئ حياد المرفق العمومي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى