ملف الأحد: من السمارة إلى واشنطن وباريس.. المغرب يُحاصر خصومه دبلوماسياً والبوليساريو تسقط في فخ “الإرهاب الدولي”

ملف الأحد من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي
العالم ينتفض ضد “البوليساريو”.. والمغرب يدخل مرحلة الحسم الدولي
لم يعد ما يجري في ملف الصحراء المغربية مجرد تطورات سياسية عابرة أو سجال دبلوماسي تقليدي بين الرباط وخصوم وحدتها الترابية، بل أصبح تحولا استراتيجيا عميقا يعيد رسم موازين القوة داخل المنطقة المغاربية والإفريقية، ويؤكد أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نجح في قلب الطاولة على جبهة البوليساريو ومن يقف خلفها، بعدما انتقل من موقع الدفاع إلى موقع القوة الدولية القادرة على فرض رؤيتها داخل المنتظم الأممي وفي كبريات عواصم القرار العالمي.
الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة لم يكن مجرد حادث أمني محدود، بل شكل لحظة سياسية فاصلة عرّت البوليساريو أمام العالم، وكشفت أن التنظيم الذي حاول لعقود تسويق نفسه كـ”حركة تحرر” سقط اليوم في فخ الأعمال الإرهابية المسلحة التي تستهدف المدنيين وتهدد الأمن الإقليمي، في وقت أصبح فيه العالم أكثر حساسية تجاه التنظيمات المسلحة والانفصالية العابرة للحدود.
الصدمة الكبرى لم تكن فقط في الهجوم نفسه، بل في حجم الإدانات الدولية وهي سابقة من نوعها و التي انهالت تباعا دعما للمغرب ووحدته الترابية، حيث سارعت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وبلجيكا والتشيك والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلى التنديد باستهداف السمارة، فيما وصفت دول عربية الهجوم بوضوح بأنه “عمل إرهابي” يستهدف أمن المملكة واستقرارها.
قطر والإمارات والبحرين ترفع سقف الدعم.. “سيادة المغرب خط أحمر”
في تطور غير مسبوق، خرجت دول عربية وازنة بمواقف حاسمة تؤكد دعمها الكامل للمغرب في أي إجراءات يتخذها لحماية سيادته ووحدة أراضيه، وهو ما يعكس حجم التحول الذي عرفه الملف داخل العالم العربي.
دولة قطر أدانت بشكل واضح الهجوم الذي استهدف السمارة، وربطت العملية بالإرهاب، مؤكدة تضامنها الكامل مع المغرب ودعمها لكل ما تتخذه الرباط للحفاظ على سيادتها وأمنها واستقرارها.
أما الإمارات العربية المتحدة والبحرين فقد ذهبتا أبعد من مجرد التنديد، حين وصفتا الهجوم بالأعمال الإجرامية والإرهابية، مع تجديد دعمهما الكامل للحقوق السيادية للمغرب في صحرائه، في رسالة سياسية قوية تؤكد أن المغرب لم يعد يواجه خصومه وحيدا، بل أصبح محاطا بجبهة دعم عربية وإفريقية ودولية واسعة.
واشنطن تغيّر قواعد اللعبة.. الحكم الذاتي المغربي أصبح المرجعية الدولية
التحول الأخطر بالنسبة للبوليساريو والجزائر لم يكن فقط في الإدانات السياسية، بل في تغير العقيدة الدولية تجاه الملف، خاصة داخل مجلس الأمن والأوساط الغربية المؤثرة.
الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد اللاعب الأقوى داخل الملف، خرجت بإدانة واضحة لهجمات البوليساريو على السمارة، مؤكدة أن هذه الأعمال تهدد الاستقرار وتقوض جهود السلام، كما شددت على ضرورة إنهاء النزاع على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الواقعي والجدي والعملي.
وهنا تكمن قوة التحول التاريخي الذي حققه المغرب:
فالعالم لم يعد يناقش “استفتاء الانفصال” كما كانت الجزائر والبوليساريو تروج لعقود، بل باتت أغلب القوى الكبرى تتحدث عن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الوحيد الممكن.
لقد انتهى عمليا زمن المناورات السياسية القديمة داخل الأمم المتحدة، خصوصا بعد القرار الأممي الأخير الصادر في 31 أكتوبر، والذي كرس مرة أخرى أولوية الحل السياسي الواقعي المبني على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في وقت تراجعت فيه بشكل واضح الأطروحات الانفصالية التقليدية التي فقدت الدعم الدولي.
الملك محمد السادس.. دبلوماسية هادئة صنعت التحول الكبير
ما يعيشه المغرب اليوم داخل ملف الصحراء لم يسقط من السماء، بل هو نتيجة مسار استراتيجي طويل قاده الملك محمد السادس بثبات وهدوء ورؤية بعيدة المدى، جعلت المملكة تتحول إلى قوة إقليمية ذات مصداقية عالية داخل إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
الملك محمد السادس لم يعتمد على الصراخ الإعلامي أو لغة التهديد، بل اختار بناء نفوذ مغربي حقيقي قائم على التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية والأمنية الكبرى.
تحت قيادة الملك محمد السادس، عاد المغرب بقوة إلى إفريقيا، ونسج شبكة علاقات اقتصادية وروحية وأمنية غير مسبوقة، جعلت عددا كبيرا من الدول الإفريقية يسحب اعترافه بالبوليساريو أو يجمده، مقابل دعم واضح للوحدة الترابية للمملكة.
وفي خطوة تعكس حجم الاختراق المغربي داخل القارة، أعلنت مالي سحب اعترافها بالبوليساريو ودعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في تطور اعتبره متابعون ضربة سياسية موجعة للطرح الانفصالي داخل إفريقيا.
القنصليات الأجنبية في العيون والداخلة.. اعتراف دولي بسيادة المغرب
واحدة من أكبر الضربات الدبلوماسية التي وجهها المغرب لخصومه تمثلت في افتتاح عشرات القنصليات الأجنبية بمدينتي العيون والداخلة، في مشهد لم يعد يقبل أي تأويل سياسي.
هذه القنصليات ليست مجرد بنايات إدارية أو تمثيليات رمزية، بل اعتراف عملي وسيادي بأن الصحراء جزء من التراب المغربي، وأن العالم بدأ يتعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها امتدادا طبيعيا للمملكة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن عددا من الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية باتت تستثمر بشكل مباشر في الداخلة والعيون، بينما تحولت الصحراء المغربية إلى منصة اقتصادية كبرى تربط إفريقيا بأوروبا والمحيط الأطلسي.
الجزائر والبوليساريو.. عزلة خانقة وانهيار الخطاب القديم
في المقابل، تبدو الجزائر والبوليساريو اليوم في وضع سياسي ودبلوماسي صعب، بعدما فقد خطاب “تقرير المصير” الكثير من بريقه داخل المنتظم الدولي.
العالم اليوم لا يبحث عن خلق كيانات انفصالية جديدة في منطقة الساحل والصحراء المهددة بالإرهاب والفوضى والهجرة السرية، بل يبحث عن دول قوية مستقرة قادرة على حماية الأمن الإقليمي وصناعة التنمية.
ولهذا السبب، بات المغرب يُقدَّم كحليف استراتيجي موثوق في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار، بينما أصبحت البوليساريو مرتبطة في المخيال الدولي بصورة الميليشيات المسلحة التي تستهدف المدنيين وتعرقل الحل السياسي.
بل إن أصواتا غربية وإعلامية بدأت تتحدث بشكل صريح عن ضرورة تصنيف البوليساريو تنظيما إرهابيا، خاصة بعد تكرار استهداف المناطق المدنية بالصواريخ، وما رافق ذلك من تقارير تتحدث عن دعم وتسليح خارجي للجبهة.
المغرب اليوم.. قوة إقليمية تصنع القرار ولا تنتظر المواقف
الحقيقة التي باتت تؤكدها كل التطورات الأخيرة هي أن المغرب دخل مرحلة جديدة تماما في تدبير قضية الصحراء.
مرحلة لم يعد فيها ينتظر اعترافا من أحد،
ولا يخشى حملات الخصوم،
ولا يقبل بالمواقف الرمادية داخل قضية وحدته الترابية.
المغرب اليوم يتحرك بثقة دولة قوية تعرف موقعها داخل العالم، وتعرف أن الزمن السياسي والدبلوماسي أصبح لصالحها، بفضل رؤية ملكية جعلت من المملكة قوة صاعدة داخل إفريقيا والعالم العربي والمتوسط.
ومن السمارة إلى نيويورك وواشنطن وباريس ومدريد والدوحة وأبوظبي، تتأكد حقيقة واحدة:
أن المغرب انتصر دبلوماسيا قبل أن يُحسم الملف نهائيا على الأرض،
وأن الملك محمد السادس يقود واحدة من أقوى المعارك السياسية في تاريخ المملكة الحديثة،
بينما تتساقط أوهام الانفصال تحت وقع العزلة الدولية والانهيار المتواصل لأطروحات البوليساريو.






