غابة عين الشقف تغرق في الأزبال و تحت رحمة الإهمال.. متنفس آلاف الفاسيين يتحول إلى مطرح مفتوح للأزبال وسط مطالب بتدخل عاجل لوالي الجهة

لم تكن الصورة الملتقطة حديثا و القادمة من غابة عين الشقف مجرد مشهد عابر لأزبال متراكمة داخل فضاء غابوي، بل تحولت إلى لوحة صادمة تختزل حجم العبث الذي طال واحداً من أهم المتنفسات الطبيعية القريبة من فاس، وتكشف بشكل فج حجم التناقض بين الشعارات البيئية المرفوعة على اللوحات الإرشادية وبين الواقع الكارثي الذي تعيشه الغابة على الأرض.

فاللافتة الموضوعة بعناية عند مدخل أحد المسارات، والتي تتضمن سلسلة من التعليمات والرموز الداعية إلى احترام البيئة والمحافظة على نظافة الغابة ومنع رمي النفايات، تقف اليوم بشكل ساخر وسط أكوام البلاستيك والقنينات وبقايا الأطعمة والنفايات المنزلية المتعفنة، وكأنها شهادة إدانة معلقة في وجه الجهات التي فشلت في تدبير هذا الفضاء الطبيعي رغم الملايين التي صُرفت عليه.
الصورة في عمقها ليست فقط فضيحة نظافة، بل فضيحة تدبير عمومي كاملة الأركان، لأن أخطر ما فيها أن الأزبال لا تتكدس في زاوية معزولة أو مكان مهجور، بل بجانب فضاءات رياضية ومسارات مخصصة للمشي والركض ووسط منطقة تستقبل يومياً آلاف الأسر والأطفال والتلاميذ والرياضيين القادمين من فاس ومحيطها بحثاً عن متنفس طبيعي هادئ، قبل أن يصطدموا بمشهد أقرب إلى مطرح نفايات مفتوح.
والأكثر إثارة للغضب أن تلك اللوحة البيئية نفسها، التي يفترض أنها تعكس وعياً مؤسساتياً بأهمية الحفاظ على المجال الغابوي، أصبحت اليوم عنواناً للسخرية الشعبية داخل الغابة، لأن الرسالة التي تنقلها الصورة واضحة وصادمة:
الإدارة تطلب من المواطن احترام البيئة، بينما المؤسسات نفسها عاجزة عن رفع الأزبال المتراكمة تحت اللوحات التي تدعو إلى النظافة.
جماعة عين الشقف في قفص الاتهام.. موارد الغابة تُحصّل والنظافة غائبة

وتتحمل جماعة عين الشقف مسؤولية مباشرة في هذا الوضع المتردي، باعتبارها الجهة التي يفترض أن تسهر على نظافة الغابة وصيانة مرافقها وتتبع وضعيتها البيئية، خاصة أن الجماعة تستفيد من عائدات مالية مرتبطة بالغابة واستغلالها.
غير أن ما يثير الاستياء داخل الرأي العام المحلي هو أن الجماعة، التي برمجت ضمن جدول أعمال إحدى دوراتها نقطة تتعلق ببيع الأشجار والأخشاب الموجودة بالغابة، تبدو عاجزة عن توفير الحد الأدنى من شروط النظافة والصيانة داخل فضاء يعد الرئة الطبيعية الوحيدة لمدينة فاس.
فأي معنى لأن تُحصَّل المداخيل من الغابة بينما تُترك الأزبال لأيام طويلة وسط الممرات الرياضية؟
وأي منطق يجعل فضاءً استثمرت فيه الملايير يتحول إلى مكان تغزوه القاذورات والحاويات المهترئة والمرافق المعطلة؟
إن الصورة المتداولة لا تدين فقط سلوك بعض الزوار الذين يرمون النفايات، بل تفضح بالدرجة الأولى غياب التدبير اليومي والمتابعة الميدانية والرقابة الجماعية، لأن تراكم هذه الكميات من الأزبال لا يحدث في ساعات قليلة، بل يحتاج أياماً من الإهمال وغياب التدخل.
مشروع بـ12 مليون درهم تحول إلى فضيحة ميدانية

الأكثر خطورة أن هذه المشاهد تأتي بعد مشروع ضخم لإعادة تأهيل الغابة كلف أزيد من 12 مليون درهم، أي أكثر من مليار و200 مليون سنتيم، تحت إشراف وكالة تنفيذ المشاريع التابعة لجهة فاس مكناس، في مشروع كان يفترض أن يحول عين الشقف إلى نموذج بيئي وسياحي ورياضي يحتذى به على مستوى الجهة.
لكن الواقع الحالي يكشف أن المشروع تحول إلى نموذج صارخ لهدر المال العام وسوء جودة الأشغال وغياب المراقبة، بعدما تدهورت الممرات الرياضية وتحولت إلى أرضيات مغبرة، وتعرضت التجهيزات الخشبية للتلف، وأغلقت المرافق الصحية، بينما تحولت الحاويات إلى خردة مهترئة لا تليق حتى بالأحياء الهامشية، فكيف بفضاء طبيعي يفترض أن يكون واجهة سياحية وبيئية لجهة بأكملها.
لقد تحولت الغابة إلى مثال حي على المشاريع التي تُدشَّن بالكاميرات والخطب الرسمية، قبل أن تُترك بعد أشهر قليلة لمصير الإهمال والتخريب دون صيانة أو تتبع أو محاسبة.
زيارة الوالي السابق كشفت “الغش”.. لكن الوضع ازداد تدهوراً
وكانت الاختلالات التي عرفها المشروع قد أثارت في وقت سابق غضباً واسعاً، بعدما تم تسليط الضوء إعلامياً على ما وصف بـ”الغش الواضح” في الأشغال، وهو ما دفع الوالي السابق لجهة فاس مكناس خالد الزروالي إلى القيام بزيارة ميدانية رفقة عامل إقليم مولاي يعقوب للوقوف على حجم التدهور الذي طال المشروع.
وقد وقف المسؤولون، بحسب معطيات محلية، على رداءة المدارات والمسالك التي تآكلت بسرعة، وعلى الوضعية المتدهورة لعدد من المرافق والتجهيزات التي لم تصمد طويلاً رغم الميزانية الضخمة المرصودة للمشروع.
غير أن ما يثير الغضب اليوم هو أن تلك الزيارة لم تُترجم إلى محاسبة حقيقية أو إصلاح فعلي، بل استمر الوضع في التدهور حتى أصبحت الغابة تعيش حالة أقرب إلى الانهيار التدريجي وسط صمت الجهات التي أشرفت على المشروع أو تكفلت بتتبعه.
مطالب بتدخل الوالي خالد آيت طالب وفتح تحقيق في “كارثة الغابة”
وأمام هذا المشهد الكارثي، ترتفع أصوات الزوار والفعاليات البيئية مطالبة بتدخل عاجل من والي جهة فاس مكناس خالد آيت طالب للقيام بزيارة ميدانية عاجلة إلى الغابة والوقوف على حجم الإهمال الذي يطال هذا الفضاء الطبيعي الحيوي،بعد أن تخلى المسؤولون المحليون عن مهامهم و ركنوا الى الخلف تاركين الغابة تعيش وضعا مرتديا يفضح شعارات فاس السياحية.
كما تتزايد المطالب بفتح تحقيق إداري وتقني ومالي شامل حول مآل الأموال التي صُرفت على مشروع إعادة التأهيل، والكشف عن المسؤوليات المرتبطة برداءة الأشغال وتدهور المرافق وغياب الصيانة والنظافة،و كذلك البحث في ملف تدبير قطاع النظافة بجماعة عين الشقف و لماذا ترفض الجماعة إستقدام شركة متخصصة.
فالصورة التي تظهر لوحة تدعو إلى احترام البيئة وسط جبل من الأزبال ليست مجرد لقطة عابرة، بل وثيقة إدانة حقيقية تكشف كيف يمكن أن تتحول الشعارات البيئية إلى مادة للسخرية عندما يغيب التدبير الجاد وتضيع الملايير بين المشاريع المغشوشة والإهمال اليومي.
ويبقى السؤال الذي يطارد الرأي العام المحلي بقوة:
هل ستتحرك السلطات لإنقاذ غابة عين الشقف قبل أن تتحول بالكامل إلى مطرح نفايات مفتوح؟و كذلك أن فصل الصيف قادم و فضاء الغابة ممتلىء بالأعشاب.
أم أن هذا المتنفس الطبيعي سيظل ضحية سوء التدبير وتبديد المال العام دون حسيب ولا رقيب؟






