سياسة

ملف الأحد : المغرب بين هدنة الكأس وغليان السياسة: صمت الأحزاب، خرجات أخنوش، ومعارضة تُفجّر قانون الصحافة من بوابة الدستورية

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

حين تُدار السياسة على إيقاع الكرة

في المغرب، لا تُفهم السياسة دائماً من داخل قبة البرلمان، ولا من بلاغات الأحزاب وحدها، بل أحياناً من صمتها. صمتٌ محسوب، مؤقت، ومشحون بالدلالات. ومع اقتراب نهائي كأس إفريقيا للأمم، بدا المشهد السياسي وكأنه دخل في هدنة غير معلنة، توقّفت خلالها السجالات الكبرى، وتراجعت التصريحات الحادة، واختفت بعض الوجوه الحزبية عن الواجهة، في انتظار صافرة النهاية… لا فقط في الملعب، بل في السياسة أيضاً.

هدنة فرضها الرهان الشعبي على التتويج، لكن ما إن تُطوى صفحة الكأس، حتى يُتوقّع أن تعود السياسة إلى مربّعها الساخن، محمّلة بأسئلة مؤجلة، وصراعات مؤطّرة، ومعارك دستورية مفتوحة، في مقدّمتها معركة قانون الصحافة والنشر، التي فجّرتها المعارضة من داخل المحكمة الدستورية، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ بداية الولاية الحكومية الحالية.

أولاً: صمت الأحزاب… هل هو احترام للحظة وطنية أم هروب من المحاسبة؟

منذ أسابيع، يلاحظ المتتبع تراجعاً واضحاً في حضور الأحزاب السياسية في الفضاء العام. لا ندوات كبرى، لا بيانات تصعيدية، ولا خرجات نارية باستثناء بعض التصريحات المعزولة. هذا الصمت لا يمكن عزله عن السياق الوطني المشحون بحلم التتويج القاري، حيث فضّلت معظم الأحزاب عدم الاصطدام بالمزاج العام، تفادياً لأي قراءة شعبوية قد تُصوّرها كقوى “تُعكّر فرحة المغاربة”.

غير أن هذا الصمت، في عمقه، ليس بريئاً بالكامل. فالأحزاب، سواء في الحكومة أو المعارضة، تعي جيداً أن ما بعد الكأس ليس كما قبلها. هناك ملفات ثقيلة تنتظر التفجير: القدرة الشرائية، الاحتقان الاجتماعي، تقييم  الولاية الحكومية، تعثّر وعود انتخابية، وعودة سؤال الثقة في الوساطة الحزبية.

صمت اليوم قد يكون استعداداً لخطاب الغد. هدنة إعلامية، لا هدنة سياسية.

ثانياً: أخنوش… خرجات محسوبة في زمن الانتظار

في مقابل صمت الأحزاب، لم يختفِ رئيس الحكومة عزيز أخنوش بالكامل عن المشهد، لكنه اختار خرجات محسوبة، مؤطرة، بعيدة عن المواجهة المباشرة. خرجات تكرّس خطاب “الاستقرار”، “الإنجاز”، و”العمل في صمت”، دون الانجرار إلى ردود فعل على انتقادات المعارضة أو الجدل المتصاعد حول أداء الحكومة.

أخنوش يدرك أن الرهان الحقيقي ليس في هذه اللحظة، بل فيما بعدها. وهو، بحكم تجربته السياسية والتدبيرية، يفضّل عدم خوض معارك جانبية قد تُفقده توازن الصورة، خصوصاً في سياق اجتماعي هش، حيث أي تصريح غير محسوب قد يتحول إلى كرة ثلج سياسية.

لكن، في المقابل، تُسجَّل على رئيس الحكومة مفارقة واضحة: خطاب يروّج للثقة والهدوء، مقابل واقع اجتماعي يغلي بصمت، وقطاعات تشكو، وفئات تشعر بأن الحكومة بعيدة عن نبضها اليومي. وهو ما يجعل خرجات أخنوش، مهما كانت محسوبة، عرضة لتأويلين: إما كقيادة هادئة في زمن الاضطراب، أو كمسافة مقلقة بين الحكومة والمجتمع.

ثالثاً: المعارضة تغيّر قواعد اللعبة… إسقاط قانون الصحافة من بوابة الدستورية

الحدث الأبرز في هذا المشهد الرمادي لم يكن تصريحاً، ولا مهرجاناً خطابياً، بل خطوة قانونية مدروسة: لجوء المعارضة إلى المحكمة الدستورية للطعن في قانون الصحافة والنشر.

هذه الخطوة، في جوهرها، تمثل تحوّلاً نوعياً في أداء المعارضة. فبعد اتهامات متكررة لها بالضعف والتشتت، جاءت هذه المبادرة لتؤكد أن المعركة السياسية لا تُخاض فقط تحت قبة البرلمان، بل أيضاً داخل المؤسسات الدستورية، وبأدوات القانون.

الطعن لم يكن شكلياً، بل استند إلى مقتضيات اعتبرتها المعارضة ماسّة بحرية التعبير، وبمبدأ التناسب بين الخطأ والعقوبة، وبالضمانات الدستورية الممنوحة للصحافيين. وهنا، لم تكن الرسالة موجهة فقط إلى الحكومة، بل أيضاً إلى الرأي العام، مفادها أن المعارضة قادرة على الفعل، لا فقط على الاحتجاج.

رابعاً: قانون الصحافة… أكثر من نص تشريعي، معركة حول السلطة والحرية

قانون الصحافة والنشر، في السياق المغربي، ليس مجرد نص تنظيمي، بل مرآة للعلاقة بين السلطة والحرية. وكل تعديل أو تأويل له يتحوّل تلقائياً إلى معركة رمزية حول حدود النقد، ومساحة التعبير، ودور الإعلام في مراقبة السلطة.

المعارضة، وهي تطرق باب المحكمة الدستورية، أعادت فتح نقاش أوسع: هل نريد صحافة مؤطرة بالزجر، أم صحافة محمية بالقانون؟ هل يُراد للإعلام أن يكون شريكاً نقدياً أم فاعلاً خاضعاً للضبط؟

هذه الأسئلة لا تخص الصحافيين وحدهم، بل تمس جوهر الانتقال الديمقراطي، وتضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل ستدافع عن القانون كخيار تشريعي، أم ستتعامل مع قرار الدستورية – كيفما كان – كفرصة لمراجعة المقاربة؟

خامساً: ما بعد الكأس… عودة السياسة بلا أقنعة

بانتهاء كأس إفريقيا، ستنتهي الهدنة غير المعلنة. ستعود الأحزاب إلى خطابها، وستعود الحكومة إلى واجهة التقييم، وستعود المعارضة إلى اختبار الفعالية. وهنا، يتوقع المراقبون تصاعداً في وتيرة النقاش السياسي، وربما انفجاراً مؤجلاً لملفات تم تأجيلها عمداً.

الأسئلة الكبرى ستفرض نفسها:

  • هل ما زالت الحكومة قادرة على إقناع المغاربة بجدوى اختياراتها؟

  • هل ستنجح المعارضة في تحويل المبادرات القانونية إلى رصيد سياسي؟

  • وهل ستُعيد الأحزاب بناء جسور الثقة مع الشارع، أم ستبقى أسيرة الحسابات الضيقة؟

 مغرب ما بعد الصمت

ما نعيشه اليوم ليس فراغاً سياسياً، بل إعادة تموضع. صمت الأحزاب، خرجات أخنوش المحسوبة، ومعركة قانون الصحافة، كلها مؤشرات على مرحلة انتقالية داخل الولاية الحكومية، مرحلة تُكتب عناوينها في الكواليس أكثر مما تُعلن على المنصات.

ومع انتهاء نشوة الكرة، سيعود المغاربة إلى واقعهم اليومي، ومعهم ستعود السياسة إلى امتحانها الأصعب: القدرة على الإقناع، لا فقط التدبير. فإما أن تنجح الفاعليات السياسية في التقاط اللحظة، أو يستمر النزيف الصامت للثقة، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ديمقراطية ناشئة.

ملف الأحد هذا، ليس فقط قراءة في حدث عابر، بل محاولة لفهم مغرب يقف عند مفترق طرق: بين صمت مؤقت، وضجيج قادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى