مشتريات فاخرة وتحويلات مشبوهة تستنفر مكتب الصرف.. مراقبة مشددة على نفقات مغاربة بأوروبا وتحقيقات في شبهات تهريب العملة

دخل مكتب الصرف مرحلة جديدة من تشديد المراقبة على حركة الأموال ونفقات المغاربة بالخارج، بعد توصل السلطات المغربية بمعطيات دقيقة صادرة عن هيئات رقابة مالية أوروبية، كشفت مؤشرات مثيرة للاهتمام بشأن إنفاق مبالغ مالية كبيرة من طرف مسافرين مغاربة خلال رحلات إلى عدد من الدول الأوروبية، في مقدمتها إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وحسب معطيات متطابقة، فقد أثارت عمليات اقتناء سلع فاخرة ومجوهرات وساعات ثمينة وإكسسوارات باهظة الثمن بواسطة الأداء النقدي المباشر “الكاش” انتباه أجهزة المراقبة المالية الأوروبية، خاصة بعدما تبين أن قيمة هذه المشتريات تتجاوز بشكل كبير المبالغ المصرح بها عند مغادرة التراب الوطني عبر عدد من المعابر والمطارات الدولية.
هذه التطورات دفعت مصالح المراقبة التابعة لمكتب الصرف إلى فتح أبحاث وتحريات موسعة من أجل تحديد مصادر الأموال المستعملة في هذه العمليات ومسارات انتقالها، مع التدقيق في مدى احترام مقتضيات قانون الصرف الجاري بها العمل.
وباشرت الفرق المختصة عمليات مقارنة دقيقة بين التصريحات الجمركية للمسافرين المغاربة عند مغادرتهم المملكة وبين حجم النفقات التي تم رصدها خلال إقامتهم بالخارج، خصوصاً عبر وجهات أوروبية تعرف إقبالاً كبيراً من السياح ورجال الأعمال المغاربة.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد مكنت عمليات التقاطع المعلوماتي من تحديد هوية عدد من الأشخاص الذين يشتبه في لجوئهم إلى قنوات غير قانونية لتحويل أو تهريب الأموال نحو الخارج، بعدما تبين وجود فوارق كبيرة بين المبالغ المصرح بها لدى المصالح الجمركية والنفقات الفعلية المسجلة خلال رحلاتهم.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التحقيقات لم تقتصر على عمليات التسوق الفاخر فقط، بل امتدت أيضاً إلى تتبع تحويلات مالية مشبوهة وعلاقات بين أشخاص يقيمون خارج المغرب، بعضهم يحمل جنسيات أجنبية، وآخرون يحتفظون بروابط مالية وتجارية مع أشخاص داخل المملكة.
وفي إطار التعاون الدولي لمحاربة الجرائم المالية، اعتمدت مصالح المراقبة المغربية على آليات تبادل إلكتروني للمعلومات مع هيئات رقابية أوروبية، ما أتاح تتبع عدد من العمليات المالية والتحويلات العابرة للحدود، والكشف عن أساليب يشتبه في استعمالها لتوفير سيولة مالية بالخارج خارج القنوات القانونية المعتمدة.
وتتمثل إحدى الفرضيات التي تشتغل عليها أجهزة المراقبة في لجوء بعض الأشخاص إلى تسليم مبالغ مالية داخل المغرب لوسطاء أو أطراف معينة، مقابل الحصول على قيمتها بالعملة الصعبة في الخارج بعد اقتطاع عمولات محددة، وهي ممارسات تندرج ضمن شبكات التحويل غير القانوني للأموال وتخضع لعقوبات صارمة بموجب التشريعات الجاري بها العمل.
ومن المرتقب أن يوجه مكتب الصرف خلال الأسابيع المقبلة استفسارات رسمية إلى عدد من المسافرين المغاربة المعروفين بكثرة تنقلاتهم نحو الخارج، من أجل تبرير حجم النفقات المسجلة بأسمائهم، خصوصاً بعد رصد تفاوتات كبيرة بين المصاريف المنجزة والمخصصات القانونية المسموح بها في إطار السفر السياحي أو المهني.
كما ستشمل عمليات التدقيق الأداءات المنجزة بواسطة البطاقات البنكية الدولية، إلى جانب النفقات المؤداة نقداً، بما في ذلك حجوزات الفنادق الفاخرة والسيارات والمطاعم والمشتريات ذات القيمة المرتفعة.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن بعض رحلات الأعمال أصبحت بدورها تحت المجهر، خاصة تلك المتعلقة بفئات مهنية معينة من قبيل الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال، بعدما أظهرت عمليات المراقبة تجاوزات محتملة للمخصصات القانونية المسموح بها، فضلاً عن تسجيل مخالفات سابقة ببعض المطارات الأوروبية إثر ضبط مسافرين بحوزتهم مبالغ مهمة من العملة الصعبة غير مصرح بها.
ويأتي هذا التحرك في سياق تشديد الرقابة على استعمال مخصصات السفر الشخصية، بعدما رفعت السلطات المختصة خلال الفترة الأخيرة سقف الاستفادة من العملة الصعبة المخصصة للأسفار إلى 500 ألف درهم سنوياً، تشمل مخصصات أساسية وأخرى تكميلية مرتبطة بمستوى الضريبة على الدخل المؤداة من طرف المستفيدين.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة ستشهد تشديداً أكبر على مراقبة حركة الأموال العابرة للحدود، في ظل تنامي التعاون بين الأجهزة الرقابية المغربية ونظيراتها الأوروبية، وسعي السلطات إلى محاصرة مختلف أشكال التهرب من قوانين الصرف ومكافحة شبكات تهريب الأموال التي تستغل السفر والسياحة لإخراج العملة بطرق غير قانونية.
وبين الرفاهية المفرطة لبعض المشتريات الفاخرة والتحركات المكثفة لأجهزة المراقبة المالية، يبدو أن عدداً من الملفات مرشح للانتقال من مرحلة التدقيق الإداري إلى التحقيقات المعمقة، في إطار توجه رسمي يروم تعزيز الشفافية المالية وحماية الاقتصاد الوطني من نزيف الأموال والعمليات المشبوهة العابرة للحدود.






