اقتصاد

مسالك فلاحية بملايين الدراهم… هل تصل إلى الفلاح الصغير أم تضيع بين الصفقات والزيارات الرسمية؟

أثار إعلان نتائج طلب عروض دولي لإنجاز مسالك فلاحية بإقليمي سيدي سليمان و**سيدي قاسم**، في إطار مشاريع يشرف عليها المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للغرب التابع لـ وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، موجة من التساؤلات داخل الأوساط القروية والفلاحية حول جدوى هذه المشاريع ومدى وصولها فعليًا إلى الفلاحين الصغار والدواوير المعزولة التي تعاني من العزلة وتهالك البنية التحتية.

وبحسب المعطيات المرتبطة بفتح الأظرفة، فقد بلغت الكلفة التقديرية لهذا المشروع حوالي 19 مليون درهم، أي ما يقارب ملياراً و900 مليون سنتيم، قبل أن تُرسى الصفقة على إحدى الشركات بمبلغ يقارب نفس القيمة تقريبًا بعد منافسة مع أربع شركات أخرى. ورغم احترام المساطر القانونية المعمول بها، فإن الجدل لا يدور حول الصفقة في حد ذاتها بقدر ما يتركز حول جدوى هذه المسالك وموقعها الحقيقي على الأرض.

طرق فلاحية على الورق… ومعاناة مستمرة في الميدان

في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الرسمية عن مشاريع لفك العزلة عن العالم القروي، يعيش عدد كبير من الفلاحين الصغار في مناطق الغرب معاناة يومية بسبب غياب طرق قروية حقيقية تربطهم بالأسواق والمراكز الحضرية.

فالعديد من الدواوير في المئات من الدوواير بالمغرب ما تزال تعتمد على مسالك ترابية تتحول إلى أوحال في فصل الشتاء، ما يجعل نقل المنتوجات الفلاحية مهمة شبه مستحيلة، ويزيد من معاناة الساكنة التي تجد صعوبة حتى في الوصول إلى المدارس أو المراكز الصحية.

ويؤكد فلاحون محليون أن بعض المشاريع التي تُعلن عنها الوزارة تبقى في كثير من الأحيان حبيسة التقارير أو تُنجز في مناطق محدودة تخدم ضيعات فلاحية كبرى، بينما تبقى الدواوير الأكثر هشاشة خارج دائرة الاهتمام.

الفيضانات… جروح لم تندمل

وتزداد حدة الانتقادات في ظل الأضرار الكبيرة التي خلفتها الفيضانات الأخيرة في عدد من المناطق القروية بالغرب، حيث تضررت مسالك فلاحية وقناطر صغيرة وجرفت السيول مساحات من الأراضي الزراعية، دون أن تتوفر برامج واضحة لإعادة التأهيل أو تعويض الفلاحين المتضررين.

وفي غياب تدخلات هيكلية لإصلاح الطرق والمسالك، وجد العديد من الفلاحين أنفسهم في مواجهة خسائر فادحة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المردودية الزراعية.

انتقادات لسياسة وزير الفلاحة

وتتجه أصابع الانتقاد بشكل متزايد نحو وزير الفلاحة أحمد البواري، حيث يرى متتبعون للشأن القروي أن السياسات الحالية للقطاع تعاني من غياب رؤية واضحة لمعالجة مشاكل العالم القروي بشكل جذري.

فبينما تتوالى الزيارات الرسمية للوزير إلى عدد من المناطق الفلاحية، يشتكي فلاحون من أن هذه الزيارات لا تتجاوز في كثير من الأحيان الطابع البروتوكولي والإعلامي، دون أن تترجم إلى حلول ملموسة على أرض الواقع.

ويؤكد عدد من الفاعلين القرويين أن العالم القروي بحاجة إلى برامج حقيقية لإصلاح البنية التحتية القروية، وفي مقدمتها الطرق والمسالك الفلاحية التي تمثل شريان الحياة بالنسبة للفلاحين الصغار.

ميزانيات كبيرة… ونتائج محدودة

تخصص الدولة سنويًا ميزانيات مهمة لقطاع الفلاحة في إطار برامج تنموية مختلفة، إلا أن السؤال الذي يطرحه الكثير من المتابعين هو: أين تذهب هذه الأموال؟ وهل تصل فعلاً إلى الفلاح الصغير الذي يشكل العمود الفقري للفلاحة المغربية؟

ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الرسمية عن دعم القطاع الفلاحي، يواصل آلاف الفلاحين الصغار مواجهة ظروف صعبة تتراوح بين الجفاف والفيضانات وارتفاع تكاليف الإنتاج، دون أن يشعروا بوجود دعم حقيقي يمكنهم من الصمود.

العالم القروي بين الوعود والواقع

لا يختلف اثنان على أن إنجاز المسالك الفلاحية يشكل رافعة أساسية لتنمية العالم القروي، إذ يساهم في فك العزلة عن الدواوير وتسهيل نقل المنتوجات الفلاحية وتحسين ظروف عيش الساكنة.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توجيه المشاريع نحو المناطق الأكثر هشاشة بدل الاقتصار على مناطق محدودة أو ضيعات فلاحية مهيكلة، كما يتطلب رؤية تنموية شاملة تضع الفلاح الصغير في قلب السياسات الفلاحية.

فلاح يقاوم… وسياسات تنتظر المراجعة

في النهاية، يبقى الفلاح المغربي البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة التنمية القروية. فبين مشاريع تُعلن في البلاغات الرسمية وواقع قاسٍ في الحقول والمسالك الترابية، تتسع الهوة بين الخطاب التنموي والواقع الذي يعيشه سكان العالم القروي.

وفي انتظار إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار للفلاح الصغير وتستجيب لمعاناته اليومية، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: هل ستتحول هذه المشاريع إلى رافعة حقيقية لتنمية القرى، أم أنها ستبقى مجرد أرقام في تقارير تُكتب في المكاتب البعيدة عن معاناة الفلاحين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى