قضايا

مذكرة من وزارة الداخلية إلى الولاة والعمال تفتح ملف اختلالات التعمير وتسلّط الضوء على شبهات هيمنة عائلية داخل بعض الجماعات الترابية

كشفت معطيات وتقارير إدارية حديثة عن تنامي مؤشرات مقلقة مرتبطة بتغلغل منطق القرابة والعلاقات العائلية داخل عدد من المصالح الجماعية الحساسة، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص في تدبير الشأن المحلي.

ووفق المعطيات المتداولة، فإن السلطات المختصة باشرت تحريات وأبحاثاً إدارية للتدقيق في حجم النفوذ الذي أصبحت تمارسه شبكات غير رسمية داخل بعض الجماعات الترابية، بعدما تحولت مصالح استراتيجية إلى فضاءات مغلقة تتحكم فيها دوائر ضيقة من الأقارب والمعارف، بعيدا عن المعايير القانونية والمؤسساتية التي يفترض أن تؤطر العمل الجماعي.

وتشير المؤشرات المسجلة إلى أن الاختلالات لم تعد تقتصر على قطاع واحد، بل امتدت إلى مجالات متعددة مرتبطة بالتدبير المالي والإداري وتسيير الممتلكات والموارد الجماعية، حيث أضحى بعض الأشخاص يمارسون تأثيراً فعلياً في اتخاذ القرار وتدبير الملفات رغم عدم توفرهم على أي صفة قانونية أو مسؤولية إدارية تخول لهم ذلك.

وتتحدث التقارير عن توسع لافت في تشغيل العمال العرضيين وتكليفهم بمهام تتجاوز بكثير طبيعة وضعيتهم القانونية، الأمر الذي خلق واقعاً إدارياً مشوهاً أصبحت فيه بعض الجماعات تعتمد على أشخاص خارج المنظومة الوظيفية الرسمية أكثر مما تعتمد على موظفيها وأطرها المختصة.

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات، بحسب المعطيات ذاتها، ساهمت في تهميش الكفاءات التقنية والإدارية وإضعاف دورها داخل المؤسسات المنتخبة، في وقت تعاني فيه العديد من الجماعات من خصاص واضح في الأطر المؤهلة القادرة على مواكبة تحديات التعمير والتخطيط والتدبير الحديث للمرافق العمومية.

كما سلطت التقارير الضوء على شبهات مرتبطة باستغلال وسائل وممتلكات الجماعات لأغراض لا تدخل ضمن المصلحة العامة، إلى جانب تسجيل حالات لتدخل أشخاص لا تربطهم أي علاقة قانونية بالإدارة في تدبير ملفات وشؤون يفترض أن تبقى حصراً بيد الموظفين والمسؤولين المخول لهم ذلك بموجب القانون.

وفي سياق متصل، أعادت هذه المعطيات إلى الواجهة ملف ما يعرف بـ”الموظفين الأشباح” والعمال غير الظاهرين في الواقع الإداري رغم استفادتهم من تعويضات وأجور من المال العام، وهي الظاهرة التي طالما أثارت جدلاً واسعاً داخل المجالس المنتخبة وأوساط الرأي العام، خصوصاً عندما ترتبط بأسماء محسوبة على محيط منتخبين أو مسؤولين نافذين.

ويرى متتبعون أن استمرار هذه الاختلالات يهدد أسس التدبير المحلي السليم، ويقوض جهود الإصلاح الإداري التي راهنت عليها الدولة خلال السنوات الأخيرة لترسيخ مبادئ الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن الملاحظات المتكررة الصادرة عن هيئات الرقابة المالية والمحاسباتية تؤكد أن بعض الجماعات ما تزال تعاني من ممارسات تجعلها أقرب إلى فضاءات مغلقة تحكمها الولاءات والعلاقات الشخصية بدل الكفاءة والاستحقاق، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى فعالية المشاريع التنموية المحلية.

اليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى تفعيل آليات المراقبة الصارمة، وتعزيز الشفافية في تدبير الموارد البشرية والمالية، وقطع الطريق أمام كل أشكال الريع الإداري والتوظيف القائم على القرابة، حتى تستعيد الجماعات الترابية دورها الحقيقي كمؤسسات لخدمة المواطنين والتنمية، لا كفضاءات لتوزيع الامتيازات وتكريس النفوذ العائلي.

إن معركة الإصلاح لا تتعلق فقط بكشف الاختلالات، بل بفرض ثقافة جديدة تجعل القانون فوق الجميع، وتعيد الاعتبار للكفاءة والاستحقاق، وتضمن للمواطن إدارة محلية نزيهة وفعالة وقادرة على الاستجابة لانتظاراته المشروعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى