بعد جدل أسعار الأضاحي وأزمة القطيع.. وزير الفلاحة يعترف: المشكل في التسويق والتوزيع لا في الإنتاج

أعادت التصريحات التي أدلى بها وزير الفلاحة أحمد البواري أمام مجلس المستشارين فتح النقاش بقوة حول واقع القطاع الفلاحي بالمغرب، وذلك بعد أشهر من الجدل الواسع الذي رافق أوضاع القطيع الوطني وارتفاع أسعار الأضاحي وتزايد شكاوى المواطنين من كلفة اقتناء الأكباش والمنتوجات الفلاحية.
ففي وقت كان الرأي العام ينتظر أجوبة واضحة حول أسباب الاختلالات التي عرفتها الأسواق خلال السنوات الأخيرة، أكد وزير الفلاحة أن التحدي لم يعد مطروحاً في إنتاج الأضاحي بقدر ما يرتبط بحلقات التسويق والتوزيع، داعياً إلى إعادة النظر في طريقة تنظيم وتسويق المنتوجات الفلاحية بالمغرب.
ويحمل هذا التصريح دلالات سياسية واقتصادية مهمة، لأنه يأتي بعد سنوات من النقاش الحاد حول تداعيات الجفاف وتراجع أعداد القطيع وارتفاع أسعار الأعلاف وتنامي دور الوسطاء والمضاربين داخل الأسواق، وهي عوامل ساهمت في خلق حالة من القلق لدى الأسر المغربية بشأن القدرة الشرائية وكلفة اقتناء الأضاحي.
وخلال جوابه بمجلس المستشارين، أوضح الوزير أن البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع، إلى جانب التحسن الملحوظ في الظروف المناخية خلال الموسم الفلاحي الحالي، ساهما في استعادة جزء مهم من التوازن داخل القطيع الوطني، مشيراً إلى أن الوزارة ومختلف المتدخلين عملوا على اتخاذ إجراءات لتحسين ظروف بيع الأضاحي وتقريب نقاط البيع من المواطنين.
غير أن المثير للانتباه في هذه التصريحات هو إقرار الوزير بأن الخلل يتركز في بعض حلقات التسويق والتوزيع، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين اعترافاً بوجود اختلالات هيكلية داخل المنظومة التجارية التي تنقل المنتوج من المنتج إلى المستهلك.
فإذا كانت إشكالية الإنتاج لم تعد مطروحة وفق ما أكده الوزير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا استمرت الأسعار في إثارة الجدل؟ ولماذا ظل المواطن المغربي يشعر بأن كلفة الوصول إلى المنتوج الفلاحي ما تزال مرتفعة رغم البرامج والإجراءات المتخذة؟
الوزير حاول في المقابل التقليل من حجم الاختلالات التي سجلت ببعض الأسواق، معتبراً أن حالات عدم التوازن بين العرض والطلب ظلت محدودة ومعزولة، ومرتبطة أساساً بالضغط الذي عرفته الأيام الأخيرة قبل العيد وبعض الصعوبات الظرفية المتعلقة بتنقل الماشية.
غير أن هذه التوضيحات لم تمنع استمرار النقاش حول فعالية آليات ضبط الأسواق ومراقبة الوسطاء وضمان شفافية سلاسل التوزيع، خاصة أن المواطنين يقيمون نجاح السياسات العمومية انطلاقاً من الأسعار التي يؤدونها فعلياً، وليس فقط من المؤشرات التقنية المرتبطة بالإنتاج.
ويرى متابعون أن النقاش الحقيقي اليوم لم يعد يتعلق فقط بعدد رؤوس الأغنام أو حجم الإنتاج الوطني، بل بقدرة السياسات الفلاحية على تحقيق التوازن بين المنتج والمستهلك، والحد من المضاربة، وضمان وصول المنتوجات الفلاحية إلى الأسواق بأثمان معقولة.
وفي ظل استمرار التساؤلات حول مستقبل القطاع الفلاحي وتدبير سلاسل التسويق والتوزيع، تبدو تصريحات الوزير بمثابة إقرار بضرورة فتح ورش إصلاحي جديد لمعالجة الاختلالات التي ظلت موضوع انتقاد واسع خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالأضاحي والقدرة الشرائية والأمن الغذائي.
وبين حديث الوزارة عن تحسن وضعية القطيع الوطني وعودة التوازن إلى السوق، وبين مطالب المواطنين بمزيد من الشفافية والرقابة والنجاعة، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه التصريحات إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن بأثرها المباشر داخل الأسواق، لا أن تبقى مجرد وعود أو تشخيصات تتكرر مع كل موسم.






