صفرو تستعد لعرسها التاريخي الكبير.. مهرجان حب الملوك يعود في دورته الـ102 حاملاً رسالة التعايش والحوار بين الحضارات
تعيش مدينة صفرو على إيقاع استعدادات مكثفة لاحتضان الدورة الثانية بعد المائة من مهرجان حب الملوك، أحد أعرق المهرجانات بالمملكة المغربية والعالم، والذي سيقام خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 27 يونيو 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في تظاهرة ثقافية وحضارية تجسد عمق التاريخ المغربي وقيم الانفتاح والتعايش التي ظلت تميز المدينة على امتداد قرون.
وفي هذا الإطار، احتضن مقر عمالة إقليم صفرو، أمس الثلاثاء 16 يونيو 2026، اجتماعاً موسعاً ترأسه عامل الإقليم، بحضور السلطات المحلية والأجهزة الأمنية وممثلي الغرف المهنية والمصالح اللاممركزة الجهوية والإقليمية وجماعة صفرو ومختلف الشركاء والمتدخلين، خصص لتقييم مدى تقدم الاستعدادات والترتيبات التنظيمية واللوجستيكية الخاصة بهذه التظاهرة التراثية الكبرى.
مهرجان عمره أكثر من قرن
ويعتبر مهرجان حب الملوك، الذي انطلقت أولى دوراته سنة 1919، من أقدم المهرجانات بالمغرب وإفريقيا، حتى أصبح يُلقب بـ”شيخ المهرجانات المغربية”، بالنظر إلى استمراريته التاريخية وقدرته على المحافظة على أصالته وهويته الثقافية رغم تعاقب الأجيال والتحولات الاجتماعية.
واكتسب المهرجان بعداً دولياً متزايداً بعدما حظي بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ سنة 2010، قبل أن يتم سنة 2012 إدراج ما يعرف بـ”مهرجان الكرز بصفرو” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو، اعترافاً بقيمته الحضارية والإنسانية الفريدة.
صفرو.. مدينة التعايش وتلاقي الحضارات
ولم يكن اختيار صفرو لتكون حاضنة لهذا المهرجان التاريخي أمراً اعتباطياً، فالمدينة التي يعود تاريخها إلى قرون طويلة شكلت نموذجاً مغربياً استثنائياً للتعايش بين مختلف المكونات الثقافية والدينية.
فعلى أرض صفرو تعايش المسلمون واليهود لسنوات طويلة في انسجام واحترام متبادل، وتحولت المدينة إلى فضاء للتبادل التجاري والثقافي والإنساني، ما جعلها تُعرف بمدينة التسامح والحوار وتلاقي الحضارات.
وتعكس طقوس مهرجان حب الملوك هذه الروح الإنسانية المتجذرة في تاريخ المدينة، حيث يجمع بين الاحتفاء بالمنتوج الفلاحي المحلي المتمثل في فاكهة الكرز، وإبراز التراث الشعبي والفني والصناعات التقليدية والعادات الاجتماعية التي صنعت هوية صفرو عبر الأجيال.
عامل الإقليم: نجاح المهرجان مسؤولية جماعية
وفي كلمة توجيهية خلال الاجتماع، أكد عامل إقليم صفرو أن مهرجان حب الملوك ليس مجرد موعد احتفالي عابر، بل يمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً يحمل حمولة تاريخية وثقافية وحضارية كبيرة، ويجسد قيم التسامح والتعايش والانفتاح التي تميز المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وشدد عامل الإقليم على ضرورة التعبئة الشاملة لجميع المتدخلين من أجل إنجاح هذه الدورة، بما يليق بمكانة المهرجان وبالإشعاع الذي راكمه على المستويين الوطني والدولي، داعياً إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المصالح والسهر على توفير كل الظروف التنظيمية والأمنية واللوجستيكية الكفيلة باستقبال الزوار والوفود المشاركة في أحسن الظروف.
كما أكد أن نجاح هذه التظاهرة يشكل واجهة حقيقية للتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والسياحية والثقافية التي يزخر بها الإقليم، وفرصة لإبراز الدينامية التنموية التي تعرفها صفرو في مختلف المجالات.
جهود متواصلة لتنمية الإقليم
ويأتي هذا الحرص الكبير من طرف عامل الإقليم في سياق مقاربة شاملة تروم تعزيز الجاذبية الترابية لصفرو وتحسين بنياتها التحتية وتثمين مؤهلاتها الطبيعية والثقافية والسياحية، عبر مواكبة المشاريع التنموية الكبرى والانفتاح على مختلف المبادرات الرامية إلى خلق دينامية اقتصادية وثقافية مستدامة.
كما تواصل السلطات الإقليمية تعبئة مختلف الشركاء من مؤسسات عمومية وجماعات ترابية وفعاليات المجتمع المدني من أجل تعزيز مكانة الإقليم كوجهة ثقافية وسياحية متميزة على الصعيد الوطني.
برنامج غني ومتعدد الفضاءات
من جهته، أكد المدير الجهوي للثقافة جاهزية مصالح الوزارة للمساهمة في تنظيم هذه الدورة بتنسيق مع مختلف الشركاء، مشيراً إلى أن البرنامج العام للمهرجان بلغ مراحله النهائية، وسيتضمن مجموعة من الفقرات النوعية التي تشكل هوية المهرجان، وفي مقدمتها:
- حفل اختيار وتتويج ملكة حب الملوك.
- السهرات الفنية الكبرى.
- الموكب الاستعراضي التقليدي لملكة حب الملوك.
- الندوات العلمية والثقافية.
- الفقرات التراثية والفلكلورية.
أما جماعة صفرو، فقد أكدت بدورها انخراطها الكامل في إنجاح هذه التظاهرة من خلال تهيئة مختلف الفضاءات العمومية، وتنظيم عروض التبوريدة، وإقامة معرض المنتوجات الفلاحية والمجالية، والمعرض المؤسساتي، إلى جانب احتضان مجموعة من الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية الموازية.
نحو دورة استثنائية
واختتم عامل الإقليم الاجتماع بدعوة كافة المتدخلين إلى مواصلة التعبئة والانخراط الجاد والمسؤول، وتسريع استكمال التحضيرات المتبقية، مع اعتماد روح المبادرة والإبداع والابتكار من أجل تقديم دورة استثنائية تليق بتاريخ هذا المهرجان العريق.
ومع اقتراب موعد انطلاق الدورة الثانية بعد المائة، تبدو صفرو على موعد جديد مع التاريخ، وهي تستعيد مكانتها كجسر للتواصل بين الثقافات والحضارات، وفضاءً للتعايش والتسامح، وواجهةً مشرقة للمغرب المتشبث بأصالته والمنفتح على العالم، في احتفال يجمع بين عبق التراث ورهانات التنمية وإشعاع المستقبل.





