رياضة

لجنة “الفيفا” في جولة تفتيشية بالمغرب… ست مدن تحت المجهر وأوراش كبرى تُسرّع استعداداً لمونديال 2030

تتجه أنظار الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” إلى المغرب خلال الأسابيع المقبلة، في إطار جولة تفقدية للبنيات التحتية الرياضية واللوجستية التي ستحتضن جزءاً من نهائيات “فيفا كأس العالم 2030”، الذي سينظم بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. وتأتي هذه الزيارة في سياق مرحلة حاسمة من التحضيرات، حيث سيعمل وفد تقني تابع للاتحاد الدولي على تقييم مدى تقدم الأشغال في الملاعب والمنشآت المرتبطة بالتنظيم، إضافة إلى الوقوف على المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة لتأهيل بنيته التحتية استعداداً لاستقبال ملايين المشجعين والسياح.

اللجنة التقنية التابعة للفيفا ستصل إلى المغرب مباشرة بعد إنهاء جولتها التفقدية في إسبانيا و**البرتغال**، في إطار برنامج مراقبة شامل يشمل الدول الثلاث المنظمة للمونديال. وتهدف هذه الزيارات إلى تقييم مدى جاهزية الملاعب المرشحة لاحتضان مباريات البطولة، إضافة إلى دراسة الجوانب التنظيمية واللوجستية التي ترتبط بقدرة المدن المستضيفة على استقبال الحدث الكروي الأكبر في العالم.

ست مدن مغربية تحت مجهر الفيفا

من المرتقب أن تشمل جولة لجنة الفيفا ست مدن مغربية رئيسية ستحتضن مباريات المونديال، وهي الدارالبيضاء و**الرباط** و**طنجة** و**فاس** و**مراكش** و**أكادير**، وهي المدن التي تشكل العمود الفقري لملف الترشيح المغربي في استضافة هذا الحدث العالمي.

وتبدأ الزيارة عادة من مدينة الدار البيضاء وضواحيها، حيث يجري بناء أحد أكبر الملاعب في تاريخ كرة القدم، وهو مركب الحسن الثاني الذي يُرتقب أن يتسع لنحو 115 ألف متفرج، ما سيجعله أكبر ملعب لكرة القدم في العالم عند اكتمال بنائه. وقد انطلقت أشغال هذا المشروع العملاق سنة 2024، ومن المنتظر أن يكون جاهزاً قبل سنة 2028 ليصبح أحد أبرز الملاعب المرشحة لاحتضان مباريات كبرى في البطولة.

كما ستزور اللجنة ملعب الأمير مولاي عبدالله في الرباط، الذي خضع بدوره لعملية إعادة بناء وتوسعة كبرى لرفع طاقته الاستيعابية إلى حوالي 69 ألف متفرج، في إطار مشروع رياضي ضخم يضم مركباً رياضياً متكاملاً.

وفي شمال المملكة، سيشكل ملعب مركب طنجة الكبير محطة أخرى في جولة اللجنة، حيث شهد بدوره أشغال تحديث واسعة استعداداً لاحتضان مباريات دولية خلال السنوات المقبلة.

أما في باقي المدن المغربية، فستتوجه اللجنة إلى ملاعب فاس ومراكش وأكادير، التي ستخضع  بدورها لبرامج تحديث وتطوير لتتلاءم مع المعايير الصارمة التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم على الملاعب المرشحة لاستضافة مباريات كأس العالم.

أوراش الملاعب… سباق مع الزمن

الاستعدادات المغربية للمونديال لا تقتصر على تحديث الملاعب الموجودة، بل تشمل أيضاً بناء منشآت رياضية جديدة وفق معايير عالمية. فملعب الحسن الثاني ببنسليمان يمثل أحد أكبر المشاريع الرياضية في تاريخ المغرب، ليس فقط من حيث سعته الاستيعابية الضخمة، بل أيضاً من حيث تصميمه الهندسي الذي يمزج بين الطابع المعماري المغربي والتكنولوجيا الحديثة الصديقة للبيئة.

ويُرتقب أن يصبح هذا الملعب رمزاً جديداً لكرة القدم العالمية، خاصة أنه يقع في موقع استراتيجي قريب من الطريق السيار والمطار الدولي للدار البيضاء، إضافة إلى قربه من الساحل الأطلسي، وهو ما يجعله مرشحاً لاحتضان مباريات كبرى وربما النهائي أو نصف النهائي في حال استكمال الأشغال وفق الجدول الزمني المحدد.

ثورة في البنيات التحتية

التحضيرات المغربية لكأس العالم لا تقتصر على الملاعب فقط، بل تشمل برنامجاً واسعاً لتطوير البنيات التحتية في مختلف المجالات. فقد أطلقت المملكة خلال السنوات الأخيرة عشرات المشاريع الكبرى التي تهدف إلى تأهيل المدن المستضيفة وتحسين قدرتها على استقبال ملايين الزوار.

ومن أبرز هذه المشاريع توسعة  جميع مطارات مدن المونديال، حيث يجري العمل على بناء محطات جوية جديدة سترفع الطاقة الاستيعابية للمطار بشكل كبير لتصل إلى عشرات الملايين من المسافرين سنوياً، في إطار خطة شاملة لتحديث قطاع النقل الجوي بالمغرب.

كما يجري العمل على تطوير شبكة السكك الحديدية، خاصة مشروع توسيع القطار فائق السرعة الذي يربط حالياً طنجة بالدار البيضاء، مع خطط لتمديده مستقبلاً نحو مراكش وأكادير، وهو ما سيشكل نقلة نوعية في منظومة النقل داخل البلاد.

إلى جانب ذلك، تعرف شبكة الطرق السيارة والطرق السريعة بدورها مشاريع توسعة وتأهيل واسعة، تهدف إلى تحسين الربط بين المدن الكبرى والمطارات والملاعب، لتسهيل تنقل الجماهير خلال فترة البطولة.

الفنادق والسياحة… استعداد لاستقبال ملايين الزوار

قطاع السياحة بدوره يعيش على وقع سباق مع الزمن استعداداً لمونديال 2030، حيث أطلقت الحكومة برامج دعم لتحديث الفنادق وتحسين جودة خدمات الإيواء السياحي، من خلال آليات تمويل وقروض ميسرة موجهة للفنادق والمؤسسات السياحية.

هذه البرامج تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للقطاع الفندقي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للزوار، خاصة أن المغرب يتوقع استقبال ملايين المشجعين والسياح خلال فترة البطولة.

كما يجري العمل على تطوير عدد من المناطق السياحية في المدن المستضيفة، من خلال مشاريع تهيئة حضرية تشمل تحسين الفضاءات العمومية والواجهات البحرية وتطوير شبكات النقل الحضري.

الاستثمار في الصحة والخدمات

الاستعدادات للمونديال تشمل أيضاً تطوير البنية الصحية في المدن الكبرى، حيث تم إطلاق مشاريع لبناء مستشفيات جديدة وتحديث المستشفيات الجامعية، إضافة إلى تعزيز قدرات الإسعاف والطوارئ الطبية.

هذه المشاريع تهدف إلى ضمان جاهزية المنظومة الصحية لاستقبال العدد الكبير من الزوار المتوقع خلال البطولة، إضافة إلى تحسين جودة الخدمات الصحية للمواطنين على المدى الطويل.

اختبار حقيقي لقدرة المغرب التنظيمية

زيارة لجنة الفيفا للمغرب تشكل اختباراً حقيقياً لمدى تقدم الأشغال في مختلف المشاريع المرتبطة بتنظيم كأس العالم. فالتقارير التي سترفعها اللجنة إلى قيادة الاتحاد الدولي ستلعب دوراً مهماً في تحديد توزيع المباريات بين الدول الثلاث المنظمة، إضافة إلى تحديد الملاعب التي ستحتضن المباريات الكبرى في البطولة.

كما ستساهم هذه الزيارة في تقييم قدرة المدن المغربية على تلبية المعايير التنظيمية الصارمة التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم، سواء من حيث البنية التحتية الرياضية أو من حيث الخدمات اللوجستية والسياحية.

مونديال 2030… فرصة تاريخية للمغرب

استضافة كأس العالم 2030 تمثل لحظة تاريخية للمغرب، الذي سيصبح ثاني بلد إفريقي يحتضن هذا الحدث العالمي بعد جنوب إفريقيا. كما أن تنظيم البطولة بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال يمنح المملكة فرصة فريدة لإبراز قدراتها التنظيمية وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.

ويرى العديد من المراقبين أن المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في إطار التحضير للمونديال لن تكون مجرد استثمارات مؤقتة مرتبطة بالبطولة، بل ستشكل رافعة تنموية طويلة الأمد ستنعكس على الاقتصاد الوطني والبنية التحتية والسياحة خلال العقود القادمة.

وفي انتظار وصول لجنة الفيفا وبدء جولتها التفقدية، يبقى الرهان الأكبر هو إنجاح هذا الورش الوطني الكبير، وتحويل مونديال 2030 إلى محطة تاريخية جديدة في مسار التنمية والتحديث الذي تعرفه المملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى