موجة غلاء جديدة تضرب المحروقات… هل يقترب سعر اللتر من 16 درهماً في المغرب؟

تشهد أسواق الطاقة العالمية خلال الأيام الأخيرة حالة من الاضطراب غير المسبوق، على وقع التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق الدولية. هذه التطورات أعادت من جديد شبح ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب، وسط تحذيرات متزايدة من انعكاسات ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى كلفة النقل والإنتاج، في سياق اقتصادي لا يزال هشاً بالنسبة لعدد كبير من الأسر المغربية.
ففي الوقت الذي يترقب فيه الرأي العام المحلي أي تغيير في الأسعار داخل محطات الوقود، يؤكد متخصصون في مجال الطاقة أن المؤشرات الدولية الحالية تنذر بارتفاع جديد في أسعار المحروقات خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في المنطقة وواصلت أسعار النفط صعودها في الأسواق العالمية.
ارتفاع الأسعار في السوق الدولية
تشير معطيات السوق الدولية إلى أن سعر طن الغازوال تجاوز خلال الأيام الأخيرة حاجز 1100 دولار، وهو مستوى يعتبر مرتفعاً مقارنة بالأشهر الماضية. ويؤكد خبراء في قطاع الطاقة أن هذا الارتفاع، إذا استمر بنفس الوتيرة، سينعكس حتماً على الأسعار داخل السوق المغربية، نظراً لاعتماد البلاد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية حاجياتها من المحروقات.
ويرى متخصصون أن تحويل سعر الطن في السوق الدولية إلى كلفة اللتر يضع السعر في حدود 9.5 دراهم تقريباً قبل إضافة الضرائب وهوامش الربح، وهو ما يعني أن السعر النهائي داخل السوق الوطنية قد يقفز إلى مستويات مرتفعة في حال استمرار هذه التطورات الدولية.
فبعد إضافة الضرائب المفروضة على المحروقات في المغرب، والتي تقدر بنحو أربعة دراهم للتر تقريباً، إضافة إلى هوامش الربح والتوزيع التي تناهز درهمين في بعض الحالات، فإن السعر النهائي قد يصل إلى حوالي 15.5 درهماً للتر الواحد خلال الفترة المقبلة، وفق تقديرات عدد من المتخصصين في القطاع.
السوق المغربية تحت الضغط
هذه الأرقام، وإن ظلت في حدود التوقعات، تثير قلقاً متزايداً داخل الأوساط الاقتصادية، لأن أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود ستكون له انعكاسات مباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية.
فالمحروقات تعتبر عصب الاقتصاد، إذ ترتبط بها تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وهو ما يعني أن ارتفاعها يؤدي بشكل شبه تلقائي إلى موجة غلاء تطال العديد من المواد الاستهلاكية والخدمات.
ويؤكد متخصصون في الاقتصاد أن التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن ارتفاع أسعار الوقود كان أحد أهم المحركات الرئيسية للتضخم، خصوصاً خلال سنة 2022 عندما ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والخدمات داخل السوق الوطنية.
النقل أول المتضررين
قطاع النقل يعتبر من أكثر القطاعات حساسية تجاه تقلبات أسعار المحروقات، حيث يعتمد بشكل مباشر على الغازوال في تشغيل أساطيل الشاحنات والحافلات وسيارات الأجرة.
ويحذر مهنيون في القطاع من أن أي ارتفاع جديد في الأسعار سيزيد من الضغوط التي تعيشها شركات النقل، خصوصاً تلك التي لا تزال تحاول التعافي من آثار الزيادات السابقة التي أثرت بشكل كبير على توازناتها المالية.
كما أن ارتفاع تكاليف النقل غالباً ما ينتقل بسرعة إلى أسعار السلع، لأن كلفة نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الاستهلاكية تشكل جزءاً أساسياً من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
هوامش الربح تحت المجهر
من بين النقاط التي يثيرها عدد من المتابعين لقطاع المحروقات في المغرب مسألة هوامش الربح التي تحققها الشركات العاملة في القطاع.
فوفق معطيات متداولة داخل الأوساط الاقتصادية، فإن هامش الربح الذي تحققه الشركات في بعض الفترات ارتفع بشكل ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، حيث انتقل من حوالي 600 درهم للطن إلى ما يقارب 2000 درهم في بعض الحالات.
ويرى عدد من الخبراء أن هذه الهوامش المرتفعة تساهم بدورها في زيادة الأسعار داخل السوق الوطنية، خاصة في ظل غياب سقف واضح يحدد هامش الربح الأقصى الذي يمكن للشركات تحقيقه.
قدرة الحكومة على التدخل
في ظل هذه التطورات، يطرح عدد من المتخصصين سؤالاً أساسياً يتعلق بدور الحكومة في ضبط السوق الداخلية للمحروقات. فبينما لا يمكن للمغرب التحكم في الأسعار الدولية للطاقة، فإن الدولة تملك عدة أدوات للتدخل من أجل تخفيف الضغط على المستهلكين.
من بين هذه الأدوات إمكانية مراجعة الضرائب المفروضة على المحروقات، سواء بشكل كلي أو جزئي، وهو خيار سبق أن اعتمدته عدة دول خلال فترات ارتفاع الأسعار العالمية. كما يمكن للحكومة التدخل عبر آليات دعم موجهة للفئات الأكثر تضرراً من ارتفاع تكاليف الوقود.
ويرى خبراء اقتصاديون أن النقاش حول هذه الإجراءات سيعود بقوة إلى الواجهة إذا وصلت الأسعار إلى مستويات قياسية خلال الفترة المقبلة، لأن استمرار ارتفاع المحروقات قد يهدد التوازنات الاجتماعية ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للأسر.
سؤال الأمن الطاقي
إلى جانب مسألة الأسعار، تعيد التطورات الحالية أيضاً النقاش حول موضوع الأمن الطاقي للمغرب، خاصة في ظل استمرار اعتماد البلاد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجاتها من المشتقات النفطية.
ويعتبر عدد من المتخصصين أن هذه الوضعية تجعل السوق الوطنية شديدة التأثر بالتقلبات الدولية، سواء تعلق الأمر بالأزمات الجيوسياسية أو بتغيرات العرض والطلب في الأسواق العالمية.
كما أن غياب قدرات تكرير محلية كبيرة يزيد من هشاشة السوق الداخلية أمام الصدمات الخارجية، وهو ما يطرح مجدداً تساؤلات حول الخيارات الاستراتيجية للمغرب في مجال الطاقة خلال السنوات المقبلة.
بين السوق الدولية والقدرة الشرائية
في النهاية، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة أسعار المحروقات، لأنه يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الدولية دون أن يكون له أي تأثير عليها.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، تبدو الأيام القادمة حاسمة في تحديد اتجاه أسعار الوقود داخل المغرب.
فإذا استمرت الأسعار الدولية في الارتفاع، فقد يجد المغاربة أنفسهم مرة أخرى أمام موجة غلاء جديدة قد تدفع سعر اللتر نحو مستويات غير مسبوقة، وهو سيناريو يعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً يشغل الرأي العام اليوم:
إلى أي حد يمكن للاقتصاد المغربي أن يتحمل موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات؟






