الطريق السريع فاس تاونات: من منعرجات العزلة إلى شرايين التنمية.. إنجاز استراتيجي بفضل تتبع “سلطات الإقليم الميداني”

تشهد الطريق الوطنية رقم 8، الرابطة بين العاصمة العلمية فاس وإقليم تاونات، تحولاً تاريخياً غير مسبوق مع تسارع وتيرة أشغال مشروع تثنية الطريق، الذي يُعد من أهم الأوراش المهيكلة في شمال المملكة. هذا المشروع الاستراتيجي لا يمثل مجرد توسعة بنية تحتية، بل خطوة حاسمة نحو فك العزلة عن إقليم جبلي ظل لعقود يعاني من صعوبة الولوج، وتعزيز جاذبيته الاقتصادية والسياحية.
استثمار ضخم وشراكة نموذجية
تبلغ الكلفة الإجمالية لمشروع تثنية الطريق الوطنية رقم 8 حوالي 1.56 مليار درهم، أي ما يعادل 156 مليار سنتيم، تمت تعبئتها عبر شراكة تمويلية نموذجية جمعت بين عدة متدخلين عموميين.
وتتوزع المساهمات على النحو الآتي: وزارة التجهيز والماء بـ980 مليون درهم، وجهة فاس – مكناس بـ485 مليون درهم، ووكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال بـ50 مليون درهم، إضافة إلى المجلس الإقليمي لتاونات بـ40 مليون درهم.
ويعكس هذا التوزيع المتعدد الأقطاب الإرادة السياسية القوية لفك العزلة عن تاونات، وجعلها محوراً تنموياً متكاملاً يربط جبال الريف بالعاصمة العلمية فاس.
أشطر المشروع الأربعة.. من الفكرة إلى الميدان
يمتد المشروع على طول 71 كيلومتراً، يتم تنفيذها عبر أربعة أشطر متكاملة تسير بوتيرة متقدمة، وفقاً لدفتر التحملات الصارم الموقع بين وزارة التجهيز والماء والمقاولات المكلفة بالأشغال.
-
الشطر الأول (تاونات – أولاد داوود): أُنجز بالكامل بنسبة 100%، وأصبح جاهزاً للاستغلال، ما شكل انطلاقة ناجحة للمشروع.
-
الشطر الثاني (أولاد داوود – واد الجمعة): بلغت نسبة إنجازه حوالي 60%، وتتولى تنفيذه شركة UNIVERT BAT، مع مراقبة ميدانية دقيقة من مصالح الوزارة.
-
الشطر الثالث (واد الجمعة – قنصرة): تم الإعلان عن صفقة التنفيذ، وأُعطيت انطلاقته رسمياً بكلفة تقدر بـ324 مليون درهم، وتتولاها الشركة نفسها لضمان الانسجام التقني والاستمرارية.
-
الشطر الرابع والأخير (قنصرة – فاس): يُواجه تحديات تقنية معقدة لمرور قناة المياه التي تزود مدينتي فاس ومكناس من سد إدريس الأول، ما دفع الوزارة إلى تقسيمه إلى صفقتين لتسريع التنفيذ بعد المصادقة على الدراسات النهائية.
صالح داحا.. رجل الميدان الذي قاد الورش نحو النجاح
وراء هذا الورش الضخم، يقف اسم رجل الإدارة الترابية البارز صالح داحا، العامل السابق لإقليم تاونات، الذي نزل التوجيهات الملكية السامية،و حوّل المشروع من وثائق تقنية إلى واقع ميداني ينبض بالإنجاز.
لقد تجاوز دوره المهام الإدارية التقليدية إلى قيادة ميدانية حقيقية، جعلت من الاجتماعات الأسبوعية التي كان يعقدها كل يوم اثنين محطة دائمة لتقييم التقدم، وتجاوز العراقيل التقنية والإدارية.
بفضل تتبعه الصارم، تم حل مشكلات نزع الملكية وتحرير محرم الطريق، كما نجح في تنسيقٍ محكم بين ورش تثنية الطريق ومشروع الصرف الصحي و تأهيل مركز جماعة عين عائشة، لتفادي أي تعارض في الأشغال أو تعطيل للزمن الإنشائي.
ويُحسب له أيضاً أنه كان وراء تعبئة مختلف الشركاء، وتأمين زيارتين ميدانيتين لوزير التجهيز والماء، أثمرت إحداهما توقيع اتفاقية الطريق المداري لمدينة تاونات بكلفة 70 مليون درهم، وهو مشروع موازٍ يهدف إلى تخفيف الضغط المروري داخل المدينة، خصوصاً على الشاحنات المتجهة نحو الحسيمة.
قيمة استراتيجية تتجاوز البعد المحلي
لا يقتصر أثر المشروع على تحسين التنقل فحسب، بل يمتد ليكون رافعةً حقيقية للتنمية المجالية في الشمال، عبر ربط الإقليم بمناطق الإنتاج والأسواق، وتحسين جاذبية الاستثمار والسياحة في فضاء جبلي لطالما عانى من العزلة.
كما أنه سيُسهم في تقليص حوادث السير ورفع مستوى السلامة الطرقية، بالنظر إلى طبيعة التضاريس الوعرة التي ميزت الطريق القديمة، ويُشكل خطوة ضمن رؤية وطنية متقدمة لتقوية الشبكة الطرقية وتنمية المناطق النائية.
التنمية تبدأ من الميدان
تُجمع مختلف التقارير المحلية والوطنية على أن نجاح هذا المشروع الاستراتيجي لم يكن ممكناً لولا المتابعة العناية الملكية السامية ، والقيادة الميدانية الصارمة التي جسّدها العامل السابق صالح داحا، باعتباره نموذجاً لمسؤول إداري يجعل من التنمية أولوية ميدانية لا شعاراً مكتوباً.
ويعتبر مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم 8 دليلاً على أن الإنجازات الكبرى لا تتم فقط بتوفير التمويل، بل بالرقابة الإدارية الصارمة والمتابعة الميدانية و حل العراقيل بشكل مستعجل التي تضمن تنفيذ الأشغال وفق أعلى المعايير وفي الآجال المحددة. هذا النجاح يعد ضمانة لفك العزلة عن الإقليم وإدماجه بشكل كامل في الدينامية الاقتصادية الوطنية.
اليوم، ومع اقتراب اكتمال الأشطر المتبقية، يترقب سكان تاونات لحظة الافتتاح النهائي للطريق المزدوج، الذي سيشكل بحق رمزاً للعدالة الترابية، ونقطة تحول في ربط الجبل بالمدينة، والمغرب العميق بالمغرب المتحرك نحو المستقبل.






