فاس تشد الخناق على أوكار الجريمة في رمضان… تنسيق أمني محكم يطيح بـ”كازينوهات” سرية ويعزز الإحساس بالأمن

تشهد مدينة فاس في الآونة الأخيرة دينامية أمنية لافتة، تعكس التحول الكبير الذي عرفته المقاربة الأمنية المعتمدة بالمدينة، خاصة مع تكثيف العمليات الاستباقية الرامية إلى تجفيف منابع الجريمة وملاحقة كل من تسول له نفسه العبث بأمن الساكنة. وفي هذا السياق، برزت مجهودات مختلف الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها مصالح مراقبة التراب الوطني وعناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بالجهة و مختلف المصالح و الفرق التابعة لولاية أمن فاس، التي نجحت في توجيه ضربات موجعة لعدد من الشبكات والأنشطة غير القانونية التي كانت تشكل مصدر قلق اجتماعي، خصوصا خلال شهر رمضان.
وفي واحدة من العمليات الأمنية النوعية التي تعكس مستوى التنسيق والجاهزية، تمكنت عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس، بناء على معلومات دقيقة وفرتها مصالح مديرية مراقبة التراب الوطني، ليلة الجمعة، من وضع حد لنشاط ثلاث محلات تحولت إلى أوكار سرية لممارسة القمار غير القانوني بحي صهريج كناوة التابع ترابيا لمقاطعة جنان الورد.
وبحسب معطيات متطابقة، فقد كشفت التحريات الأولية أن هذه المحلات كانت تشتغل في الخفاء، متخذة من مقهىين وقبو أرضي فضاءً لممارسة ألعاب القمار بشكل منظم، حيث كانت تستقطب يوميا عشرات الزبناء، بعضهم من مدمني القمار، بينهم حتى قاصرون، كانوا يقامرون بمبالغ مالية مهمة قد تصل أحيانا إلى عشرة آلاف درهم في الجلسة الواحدة.
وأفادت مصادر محلية أن هذه الأنشطة كانت تتم خلال فترات النهار في شهر رمضان، في محاولة لاستغلال انشغال السلطات الأمنية، قبل أن تمتد جلسات القمار إلى ساعات متأخرة من الليل. كما اعتمد المشرف الرئيسي على هذه الأوكار، وهو شخص معروف بسوابقه القضائية، أسلوبا تنظيميا محكما لإخفاء نشاطه، حيث قام بتوظيف شخصين لتأمين عملية استقبال الزبناء وإدخالهم إلى القبو، قبل إغلاق الباب بإحكام لمنع انكشاف هذه الأنشطة غير القانونية.
غير أن اليقظة الأمنية والتنسيق الوثيق بين مختلف الأجهزة المختصة لم يتركا مجالا لاستمرار هذا النشاط، إذ أسفرت العملية الأمنية عن توقيف خمسة أشخاص يشتبه في تورطهم في إدارة وتسيير هذه المحلات، إلى جانب عدد من الزبناء الذين كانوا داخل المكان لحظة المداهمة. كما مكنت عمليات التفتيش من حجز مبلغ مالي مهم يناهز 14 مليون سنتيم، إضافة إلى شاشات تلفاز ومعدات إلكترونية وأدوات تستعمل في تنظيم ألعاب القمار.
وخلف هذا التدخل الأمني ارتياحا كبيرا وسط ساكنة الحي، التي عانت لسنوات من تداعيات هذه الأوكار، لما كانت تسببه من مشاكل اجتماعية واقتصادية، خاصة بالنسبة لأسر القاصرين الذين سقطوا في شباك إدمان القمار، وهو ما كان يفاقم معاناة العديد من العائلات ويهدد استقرارها.
وقد جرى وضع المشتبه فيهم تحت تدبير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث القضائي الذي تشرف عليه النيابة العامة المختصة، من أجل الكشف عن كافة ظروف وملابسات هذه القضية، وتحديد جميع الامتدادات المحتملة لهذا النشاط غير القانوني.
وتندرج هذه العملية ضمن استراتيجية أمنية شاملة تعتمدها ولاية أمن فاس، بتوجيهات من والي الأمن أوحتيت أوعلا، والتي تقوم على تعزيز العمل الاستباقي والتنسيق المحكم بين مختلف المصالح الأمنية، في أفق التصدي لكل مظاهر الانفلات الاجتماعي والجريمة المنظمة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن المقاربة الأمنية الجديدة بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس، حيث أظهرت المعطيات الميدانية تراجعا ملحوظا في معدلات الجريمة بمختلف أصنافها داخل المدينة، وهو ما يعكس نجاح الاستراتيجية الأمنية المعتمدة في إعادة بسط الإحساس بالأمن لدى المواطنين.
وتكتسي هذه الجهود أهمية خاصة خلال شهر رمضان، الذي كان في سنوات سابقة يعرف ارتفاعا نسبيا في بعض مظاهر الجريمة المرتبطة بما يعرف شعبيا بـ”الترمضينة”، غير أن الواقع الميداني خلال السنوات الأخيرة أظهر تحسنا ملحوظا في الوضع الأمني، بفضل تكثيف الدوريات الأمنية و إعادة الإنتشار المحكم لمختلف الطواقم وفرق الدراجين والعمليات الاستباقية التي تستهدف مختلف بؤر الجريمة.
وفي هذا الإطار، تواصل فرق “ديستي” إقتفاء أثر الجريمة المرتبطة بتمظهرات خارج القانون و بتنسيق محكم مع مختلف المصالح الأمنية بمدينة فاس جهودها الحثيثة لتعقب الخارجين عن القانون، خصوصا المتورطين في ترويج المخدرات بمختلف أنواعها، والتي تعتبر من أخطر الآفات الاجتماعية التي تغذي العديد من مظاهر الانحراف والجريمة.
وتؤكد المعطيات الأمنية أن محاربة تجارة المخدرات أصبحت من أولويات العمل الأمني بالمدينة، نظرا لارتباطها المباشر بانتشار جرائم السرقة والعنف والانحراف، ما يستدعي تكثيف العمليات الميدانية واستهداف الشبكات التي تنشط في هذا المجال.
وبفضل هذا التنسيق المحكم بين مصالح مراقبة التراب الوطني والشرطة القضائية وباقي الوحدات الأمنية، نجحت الأجهزة المختصة في توجيه ضربات متتالية لشبكات إجرامية مختلفة، وهو ما ساهم في تعزيز الاستقرار الأمني وترسيخ صورة فاس كمدينة آمنة.
ويؤكد متابعون أن هذه الدينامية الأمنية المتواصلة تعكس التحول الذي تعرفه المنظومة الأمنية بالمدينة، حيث أصبح العمل يعتمد بشكل أكبر على الاستباق واليقظة المعلوماتية، إلى جانب الحضور الميداني المكثف، وهي عناصر أساسية في مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة.
وبينما تواصل الأجهزة الأمنية عملياتها اليومية لتعقب مختلف مظاهر الجريمة، يظل الرهان الأكبر هو الحفاظ على هذا المنحى التصاعدي في تعزيز الأمن، وترسيخ ثقافة احترام القانون، بما يضمن لمدينة فاس استقرارها الاجتماعي ويصون أمن ساكنتها وزوارها على حد سواء.






