شبهات غسل الأموال تهز قطاع العقار.. تحويلات مالية مشبوهة تستنفر أجهزة المراقبة وتفتح ملفات حساسة

عادت مخاطر غسل الأموال عبر القطاع العقاري إلى واجهة الاهتمام الرقابي بالمغرب، بعد رصد تحركات مالية غير اعتيادية مرتبطة بمشاريع عقارية في عدد من المدن الكبرى، ما دفع الجهات المختصة في تتبع الجرائم المالية إلى تكثيف تحرياتها بشأن تدفقات نقدية وعمليات تحويل أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول مصادرها الحقيقية وأهدافها النهائية.
وبحسب معطيات متداولة في الأوساط المهتمة بمكافحة الجرائم المالية، فإن مصالح المراقبة المختصة تلقت خلال الأسابيع الأخيرة إشعارات مرتبطة بعمليات مالية متكررة ومرتفعة القيمة جرى تنفيذها لفائدة شركات تنشط في مجال الإنعاش العقاري، خاصة بمحوري الدار البيضاء وطنجة، وهو ما استدعى فتح أبحاث معمقة لتتبع مسارات الأموال والتأكد من سلامة العمليات المنجزة.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن عدداً من هذه التحويلات تم عبر حسابات بنكية خاصة فتحت حديثاً، قبل أن يتم توجيه مبالغ مالية مهمة نحو حسابات شركات عقارية في إطار ما يعرف بصيغة “المصارفة”، وهي آلية تعتمد على الأداء المباشر والمتدرج لثمن العقار دون المرور عبر القروض العقارية التقليدية أو التمويلات البنكية الكلاسيكية.
العقار.. بوابة مفضلة لتبييض الأموال عالمياً
ويؤكد خبراء في الجرائم المالية أن القطاع العقاري يعد من أكثر القطاعات استهدافاً من قبل شبكات غسل الأموال عبر العالم، بسبب قدرته على استيعاب مبالغ مالية كبيرة وإضفاء طابع قانوني عليها بعد إدماجها في عمليات شراء وبيع العقارات.
كما أن ارتفاع قيمة المعاملات العقارية وصعوبة التحقق أحياناً من المستفيد الحقيقي من بعض العمليات يجعل هذا القطاع مجالاً حساساً يستدعي يقظة دائمة من المؤسسات الرقابية والمالية.
وفي المغرب، تم خلال السنوات الأخيرة تعزيز المنظومة القانونية الخاصة بمحاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع تشديد التزامات البنوك والمؤسسات المالية والمهنيين الملزمين بالتصريح بالعمليات المشبوهة، وذلك انسجاماً مع المعايير الدولية وتوصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF).
“المصارفة” تحت دائرة التدقيق
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى بعض العمليات العقارية المنجزة عبر نظام “المصارفة”، والذي يقوم على أداء المشتري لثمن العقار على دفعات مباشرة لفائدة المنعش العقاري دون اللجوء إلى قرض بنكي.
ورغم أن هذه الصيغة تظل قانونية في حد ذاتها وتستجيب لرغبة فئات من المواطنين في اقتناء السكن بعيداً عن القروض، إلا أن الجهات الرقابية تسعى إلى التحقق من عدم استغلالها كوسيلة لإدخال أموال مجهولة المصدر إلى الدورة الاقتصادية المشروعة.
وتزداد الشكوك عندما تكون التحويلات متكررة وذات قيم مرتفعة، أو عندما لا تتناسب مع الوضعية المالية المعلنة لأصحابها، أو حين يتم تسجيل أثمنة عقارية تفوق بشكل ملحوظ الأسعار المتداولة في المناطق المعنية.
تتبع المستفيدين الحقيقيين
وتشمل التحريات الجارية تتبع مسارات الأموال بين الحسابات البنكية المختلفة، مع التركيز على تحديد المستفيدين النهائيين من العمليات العقارية، والبحث في الخلفيات المالية للأطراف المتدخلة، سواء تعلق الأمر بالمشترين أو الوسطاء أو الشركات المستفيدة.
كما يتم التدقيق في بعض المعاملات التجارية المرتبطة بقطاعات موازية، خاصة تلك التي قد تعرف تضخيماً في الفواتير أو معاملات صورية بين شركات، وهي من الأساليب المعروفة دولياً في إخفاء المصدر الحقيقي للأموال وإعادة إدماجها في الاقتصاد النظامي.
حماية الاقتصاد الوطني
ويرى متخصصون أن تشديد الرقابة على القطاع العقاري لا يستهدف عرقلة الاستثمار أو الحد من دينامية السوق، بل يهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الأموال غير المشروعة، والحفاظ على شفافية المعاملات وضمان تكافؤ الفرص بين المستثمرين الحقيقيين.
كما أن مواجهة غسل الأموال أصبحت اليوم رهاناً استراتيجياً بالنسبة للدول، بالنظر إلى ارتباط هذه الجرائم بشبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والتهريب والجرائم المنظمة والتهرب الضريبي والفساد المالي.
وفي ظل التطور المتسارع لأساليب الجريمة المالية، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز آليات المراقبة الرقمية وتبادل المعلومات بين المؤسسات البنكية والهيئات الرقابية والسلطات القضائية، بما يضمن كشف أي تحركات مشبوهة في وقت مبكر وحماية المنظومة الاقتصادية والمالية للمملكة.
وتبقى نتائج الأبحاث الجارية وحدها الكفيلة بتحديد طبيعة هذه العمليات وما إذا كانت تشكل بالفعل حالات غسل أموال أو مجرد معاملات عقارية عادية، غير أن المؤكد هو أن أجهزة اليقظة المالية رفعت درجة التأهب، في إطار الجهود المتواصلة الرامية إلى تعزيز الشفافية وترسيخ قواعد الحكامة المالية الجيدة.






