تحقيق صحفي استقصائي: الاستثمار بجهة فاس-مكناس.. بين تعثر آليات الدعم وغموض توزيع الوعاء العقاري والمشاريع الاستراتيجية

تحقيق صحفي استقصائي: عبدالله مشواحي الريفي
جهة فاس مكناس بين مؤشرات التنمية وتحديات الواقع
تعتبر جهة فاس-مكناس إحدى القلاع الاقتصادية والتاريخية للمملكة، غير أن واقع الاستثمار بها بات يطرح علامات استفهام مقلقة حول مدى نجاعة الآليات المؤسساتية الموكول إليها تحريك عجلة التنمية. فرغم التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل المراكز الجهوية للاستثمار محركاً أساسياً لإنتاج الثروة وتوفير فرص الشغل، إلا أن المؤشرات الميدانية بالجهة تكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، وسط غياب شبه تام للأثر الملموس على مستوى التنمية المحلية وإدماج الشباب في سوق الشغل.
المركز الجهوي للاستثمار ومجلس الجهة: مسارات متقاطعة وأسئلة الفعالية
أمام هذا الوضع، يجد المركز الجهوي للاستثمار بفاس-مكناس نفسه في مرمى الانتقادات؛ إذ يرى فاعلون اقتصاديون ومراقبون للشأن المحلي أن أداء المركز لم يرقَ بعد إلى مستوى التطلعات، وظلت مساهمته في تذليل العقبات أمام المقاولين والشباب حاملي المشاريع دون المأمول.
بالتوازي مع ذلك، يثير تدخل مجلس الجهة في تمويل ومواكبة المشاريع الاستثمارية نقاشاً حاداً حول جدوى بعض الشراكات ومخرجات الدعم المالي. ويتساءل مهتمون عن المعايير الحقيقية المعتمدة في انتقاء المشاريع المستفيدة من الدعم العمومي، حيث يلف الغموض هويات بعض المستفيدين الحقيقيين وسط حديث متزايد في الصالونات الاقتصادية بالجهة عن “انتقائية” قد تغيب فيها تكافؤ الفرص والشفافية الكاملة، ما يضيع على المنطقة فرصاً حقيقية للنهوض الشامل.
بقع الأحياء الصناعية: علامة استفهام كبرى في “عين الشكاك” و”عين البيضاء”
لا يقتصر الغموض على الدعم المالي فحسب، بل يمتد بشكل أكثر وضوحاً إلى الوعاء العقاري المخصص للاستثمار الصناعي. وتعد المناطق الصناعية الجديدة، وفي مقدمتها الحي الصناعي عين الشكاك (بإقليم صفرو) ومنطقة عين البيضاء (بضواحي فاس)، نموذجاً صارخاً لهذا اللبس.
فبالرغم من الآمال الكبيرة التي عُلقت على هذه المناطق لتوطين الوحدات الإنتاجية وجلب الرساميل، فإن كواليس توزيع البقع الأرضية تثير الكثير من التوجس. وتتداول الأوساط المقاولاتية بالجهة معطيات تفيد بوجود شبهات حول استفادة جهات محددة أو “مستثمرين على الورق” من بقع استراتيجية دون مباشرة أشغال التوطين الفعلي، أو تحول بعض هذه العقارات إلى مادة للمضاربة الصامتة، مما يحرم المستثمرين الجادين والشركات الناشئة من ولوج العقار الصناعي بأسعار تفضيلية محفزة.
المشاريع المستقبلية تحت المجهر: “الميناء الجاف برأس الماء” كاختبار للحكامة
مع تطلع الجهة إلى أوراش اقتصادية كبرى قادمة، تتوجه الأنظار نحو مشروع الميناء الجاف برأس الماء (بإقليم مولاي يعقوب). هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يُنتظر منه إحداث طفرة لوجستيكية وربط الجهة بالمحاور التجارية الكبرى للمملكة، بات يشكل اختباراً حقيقياً لمبدأ الشفافية.
وثمة تحذيرات جدية يطلقها متتبعون للشأن الجهوي من مغبة استغلال هذا المشروع الضخم من طرف أشخاص أو شبكات مصالح بأعينهم، للاستحواذ على العقارات المحيطة به أو احتكار الصفقات والخدمات المرتبطة به. إن تحول مشروع “رأس الماء” إلى كعكة ريعية لجهات نافذة سيجهز على الغاية التنموية الأساسية منه، ويعمق من معاناة الجهة التي تئن أصلاً تحت وطأة الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة في صفوف خريجي الجامعات.
التباينات والاختلالات المؤسساتية.. صراع الصلاحيات يشل حركة الاستثمار
التباين المجالي والاختلالات الهيكلية: جهة بسرعتين
لا تتوقف أزمة الاستثمار بجهة فاس-مكناس عند حدود العقار والدعم، بل تمتد إلى تباينات صارخة واختلالات هيكلية واضحة؛ حيث يلاحظ تمركز نسبي لبعض الأنشطة في محاور محددة مقابل تهميش شبه تام لأقاليم أخرى بالجهة تئن تحت وطأة الإقصاء الاقتصادي. هذا التباين يعكس غياب رؤية استراتيجية موحدة قادرة على خلق توازن تنموي حقيقي بين مختلف أطراف الجهة.
صراع الأقطاب الثلاثة: حرب الصلاحيات المكتومة
ويظهر هذا الارتباك جلياً في الصراع الصامت والمستعر أحياناً بين ثلاثة أقطاب رئيسية يُفترض فيها التنسيق والانسجام لقيادة الإقلاع الاقتصادي:
-
غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة فاس-مكناس (باعتبارها الممثل الشرعي والمنبر المؤسساتي للمقاولين والتجار والمهنيين).
-
مجلس جهة فاس-مكناس (المدبر السياسي والمالي للمخطط التنموي الجهوي).
-
المركز الجهوي للاستثمار (الآلية التنفيذية والمخاطب الإداري للمستثمرين).
هذا التنافر وغياب التناغم بين المؤسسة الممثلة للمهنيين والمؤسسات التدبيرية والمنتخبة تحول إلى “بلوكاج” غير معلن. فالغرفة ترى في كثير من الأحيان أنه يتم تهميش مقترحاتها وتغييب رؤية المقاولة المحلية في صياغة القرارات الاستثمارية، بينما يتحرك مجلس الجهة والمركز الجهوي للاستثمار وفق حسابات ومساطر إدارية وسياسية يراها الفاعل الاقتصادي بعيدة عن مرونة السوق ونبض المقاولات الصغرى والمتوسطة.
بيئة طاردة للاستثمار ومقاولات في قاعة الانتظار
إن ضحية هذا التجاذب والصراع حول الصلاحيات والتموقع هو المستثمر والشباب حاملو المشاريع بالجهة؛ إذ عوض أن تشكل هذه المؤسسات شباكاً وحيداً ومنظومة متكاملة لتسهيل المساطر وتوفير العقار وجلب الرساميل، تحولت إلى جزر معزولة تتنازع الصلاحيات وتتبادل الاتهامات بخصوص المسؤولية عن تعثر الأوراش، مما يزكي مناخ التوجس ويدفع برساميل وطنية وأجنبية إلى الهروب نحو جهات أخرى تقدم تدبيراً أكثر انسجاماً وشفافية وحكامة.
نداء الحكامة: لماذا بات تدخل والي الجهة ضرورة قصوى؟
أمام هذا المشهد المعقد، تتوجه الأنظار صوب ولاية جهة فاس-مكناس، حيث أصبح والي الجهة مطالباً، أكثر من أي وقت مضى، بالتدخل المباشر والحازم للمسك بزمام ملف الاستثمار.
إن تنزيل الحكامة الجيدة والقطع مع الممارسات البيروقراطية أو الانتقائية يتطلب:
-
تفعيل لجان تفتيش ومراقبة صارمة للوقوف على كيفية توزيع البقع الأرضية في “عين الشكاك” و”عين البيضاء” وسحبها فوراً من غير الجادين.
-
فرض الوضوح التام في لوائح المستفيدين من دعم مجلس الجهة وبرامج مركز الاستثمار، وربط الدعم العمومي بالخلق الفعلي لفرص الشغل الحقيقية.
-
إرساء مقاربة استباقية لحماية المشاريع الهيكلية المستقبلية، وفي مقدمتها الميناء الجاف برأس الماء، من أي تغول مصلحي وضمان ولائه التام للتنمية الجهوية الشاملة.
إن جهة فاس-مكناس لا تنقصها المؤهلات البشرية ولا الجغرافية، لكنها في حاجة ماسة إلى “زلزال حكامة” يعيد ترتيب الأولويات، ويفتح الأبواب أمام المستثمر الحقيقي، ويغلقها في وجه الانتهازية والمضاربة، إنصافاً لجهة تاريخية تعاني بصمت في انتظار إقلاع اقتصادي حقيقي وعادل.






