تشريح لأزمة منظومة العدالة: قوانين “الدقيقة الأخيرة” والبلقنة التشريعية.. كيف تحولت الحرب بين وهبي والمحامين إلى أزمة اجتماعية ضحيتها المواطن؟
التشريع في ربع الساعة الأخير من عمر الحكومة
يبدو أن التدبير التشريعي بالمغرب قد استقر في الآونة الأخيرة على منطق غريب يعتمد “الهروب إلى الأمام”، وتحديداً عبر ما يمكن تسميته بـ “قوانين الدقيقة الأخيرة”؛ حيث تسابق بعض الوزارات الزمن لتهريب نصوص قانونية مفصلية وهيكلية، تفتقد بشكل صارخ للنقاش المجتمعي الحقيقي وتفتقر لروح التوافق الوطني. أحدث فصول هذا العبث تجسد في مشروع القانون رقم 66.33 المنظم لمهنة المحاماة، والذي هندسه وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مناخ مطبوع بالاحتقان وموجة رفض عارمة من طرف هيئات المحامين بالمغرب. غير أن الصدمة الحقيقية ومقصلة النقد لم تأتِ هذه المرة من الشارع أو من البدلات السوداء المحتجة، بل جاءت من مؤسسة دستورية حكاماتية مستقلة؛ حيث وجه مجلس المنافسة، على لسان رئيسه أحمد رحو، صفعة قوية للمشروع، كاشفاً في رأي استشاري حديث عن عيوب جوهرية نسفت فلسفة القانون الإقصائية، وعرّت تهافت المقاربة الحكومية في تدبير أحد أهم قطاعات منظومة العدالة.
صك اتهام من مجلس المنافسة: وهبي في قفص المساءلة والحمائية الضيقة
في قراءة نقدية صارمة وتشريح علمي لمشروع القانون المثيرة للجدل، فكك مجلس المنافسة بنود النص الحكومي ليجدها غارقة في “الحمائية القطاعية الضيقة” و”التحكم الإداري القبلي” الذي يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، ويقوض جاذبية القطاع الاقتصادية. ولم يتردد المجلس في التأكيد على أن مشروع القانون الحالي في حاجة ماسة إلى صياغة تصور جديد كلياً يوازن بذكاء بين استقلالية مهنة المحاماة التاريخية والانفتاح الاقتصادي الضروري لتجويد الخدمات القانونية. هذا الموقف الدستوري يمثل إدانة واضحة للطريقة الارتجالية التي صيغ بها المشروع، والتي تبين أنها تخدم هواجس التحكم العددي بدلاً من التأسيس لبيئة قانونية متطورة تلائم مغرب القرن الحادي والعشرين وتدعم المقاولات والمتقاضين على حد سواء.
الشروط الإقصائية تحت المقصلة: تعرية بنود التراجع والتضييق
لقد ركز رأي مجلس المنافسة على ثلاثة بنود أساسية في مشروع وزير العدل، معتبراً إياها قيوداً حقيقية تنسف تنافسية المهنة وتعرقل ولوج الكفاءات إليها. البند الأول يتعلق بشرط تحديد السن الأقصى في 45 سنة لاجتياز امتحان الولوج، حيث دعا المجلس إلى إلغائه فوراً لكونه يحرم المحاماة من أطر عليا وكفاءات راكمت خبرات مهنية وأكاديمية واسعة في مجالات مختلفة وتود تطعيم سلك القضاء بدماء جديدة. أما النقطة الثانية، فتخص دورية المباريات؛ إذ انتقد المجلس بشدة التوجه نحو تنظيم مباراة ولوج معهد التكوين كل ثلاث سنوات تقريباً، وأوصى بجعلها مباراة سنوية ومنتظمة لأن المهنة لا يجب أن تخضع منطق الاحتكار أو التحكم في أعداد الممارسين. وفي السياق ذاته، حث المجلس على فتح الأبواب أمام أطر الإدارات العمومية وموظفي هيئة كتابة الضبط والمستشارين القانونيين بالمقاولات، للولوج للمحاماة عبر نظام إعفاء جزئي بشرط التوفر على الخبرة والتفرغ الكامل، وهو ما يمثل هدمًا تاماً للمقاربة المغلقة التي دافعت عنها الوزارة الوصية.
النقد الصريح والمتبادل: بلقنة مؤسساتية وأنانية قطاعية تعطل الإصلاح
إذا كان مجلس المنافسة قد أصاب كبد الحقيقة في تعريته للعيوب التشريعية للنص الحكومي، فإن النقد الحقيقي والموضوعي يجب أن يوجه اليوم لجميع أطراف هذه الأزمة بدون استثناء، نظراً لحالة البلقنة المؤسساتية التي تسببو فيها. فالحكومة، ممثلة في وزارة العدل، تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الاحتقان بسبب إصرارها غير المبرر على تغييب المقاربة التشاركية، ومحاولة فرض “قوانين الأمر الواقع” في الأنفاس الأخيرة من ولايتها الانتدابية، وكأن الهدف هو تسجيل نقاط سياسية وصناعة انتصارات وهمية بدلاً من البناء الرصين. وفي المقابل، فإن هيئات المحامين ليست فوق النقد؛ إذ غالباً ما يُفهم دفاعها المستميت وخطابها الاحتجاجي على أنه رغبة باطنية في تحصين “الامتيازات الفئوية” وإغلاق الباب أمام جيل جديد من الشباب حاملي الشواهد، ضاربين عرض الحائط بمتطلبات العصر القائمة على الرقمة الشاملة والانفتاح الاقتصادي المرن للمملكة.
الأزمة الاجتماعية الحارقة: المواطن والمقاولة ضحايا صامتون لـ “حرب كسر العظام”
خلف لغة النصوص القانونية والصراع المحموم حول الصلاحيات والمنافسة، تختبئ أزمة اجتماعية وإنسانية حارقة على أرض الواقع، ضحيتها الأوحد والملزم بأداء الفاتورة هو المواطن المغربي البسيط والمقاولات الصغرى والمتوسطة. إن حالة الشد والجذب والقطيعة بين الوزارة والمهنيين تحرم المتقاضين من حقهم الدستوري الثابت في ولوج ميسر، عادل، ومستقر لخدمات العدالة. المواطن اليوم يجد نفسه تائهاً ومحاصراً داخل محاكم مشلولة بالإضرابات المفتوحة، وأمام قوانين ضبابية لا تحميه، وتحت رحمة تعويضات وخدمات قانونية تفتقر للتنافسية وتثقل كاهله مادياً. إن تحويل قضايا وحقوق الموطنين إلى رهائن في “حرب كسر عظام” سياسوية ونقابية يعكس مدى استهتار الأطراف بالاستقرار الاجتماعي والأمن القضائي للمملكة.
في الحاجة إلى تعاقد وطني ينهي زمن الارتجال
في النهاية، يمكن القول إن رأي مجلس المنافسة قد وضع الأصبع بدقة على الجرح؛ فالعدالة ليست قطاعاً معزولاً أو ضيعة خاصة تُدبَّر بالهواية والترقيع والقرارات الارتجالية لوزير وصي، ولا هي مجال للاحتكار المطلق. إن أزمة المحاماة الحالية هي مرآة عاكسة لأزمة حكامة أعمق تشهدها العديد من القطاعات بالمغرب؛ والبلاد اليوم، وهي تمر بظروف اقتصادية واجتماعية دقيقة تتطلب التعبئة الشاملة، لم تعد تتحمل “قوانين تُطبخ وتُهرّب في جنح الليل” لتخدم مصالح ضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن وللمواطن الذي ملّ وتعب من أداء فاتورة صراعات نخبوية وفئوية لا ناقة له فيها ولا جمل.






