سياسة

مراكش تحتضن لقاءً وطنياً رفيع المستوى لتجويد البحث الجنائي.. تنسيق غير مسبوق بين النيابة العامة والأمن الوطني والدرك الملكي لمواكبة مستجدات المسطرة الجنائية

في خطوة تعكس الدينامية المتواصلة التي تعرفها منظومة العدالة الجنائية بالمملكة، احتضنت مدينة مراكش يومي 2 و3 يوليوز الجاري أشغال لقاء وطني تنسيقي رفيع المستوى خُصص لموضوع “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، بمبادرة من رئاسة النيابة العامة وبشراكة مع المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي.

ويأتي هذا اللقاء في سياق تنزيل مقتضيات القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية، وفي إطار الجهود الرامية إلى تعزيز النجاعة القضائية وتطوير أداء أجهزة البحث الجنائي، من خلال توحيد الرؤى والممارسات بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، وضمان التطبيق السليم للمقتضيات القانونية الجديدة بما يرسخ الأمن القانوني ويحمي الحقوق والحريات.

وشكل هذا الموعد الوطني الهام فضاءً للحوار والتشاور بين كبار المسؤولين القضائيين والأمنيين، بمشاركة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، وولاة الأمن، ورؤساء الأمن الجهوي والإقليمي، والمسؤولين الجهويين للدرك الملكي، في تأكيد واضح على الإرادة المشتركة لتطوير منظومة البحث الجنائي ورفع جودة الأداء المؤسساتي في مواجهة التحولات القانونية والتحديات الأمنية المستجدة.

وأكد المتدخلون خلال الجلسة الافتتاحية أن المرحلة الراهنة تفرض الارتقاء بمستوى التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية إلى مستويات أكثر تقدماً، باعتباره ركيزة أساسية لضمان فعالية الأبحاث الجنائية وسرعة معالجتها، مع الحرص على احترام الضمانات القانونية وصيانة الحقوق الفردية والجماعية، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن وسيادة القانون.

وعرفت أشغال اللقاء مناقشة مجموعة من القضايا المحورية المرتبطة بمستجدات قانون المسطرة الجنائية، من خلال أربع جلسات موضوعاتية تناولت تقييم حصيلة التنسيق المؤسساتي بين مختلف الشركاء، واستعراض مدى تنفيذ التوصيات المنبثقة عن اللقاءات السابقة، إضافة إلى مناقشة الإشكالات العملية المرتبطة بالإجراءات المقيدة للحرية والأبحاث المالية الموازية وتقنيات البحث الخاصة.

كما سلط المشاركون الضوء على التحديات المرتبطة بتنزيل النصوص القانونية الجديدة على أرض الواقع، مع تبادل التجارب والخبرات الميدانية واقتراح حلول عملية قابلة للتطبيق على المستويات المركزية والجهوية والمحلية، بما يضمن توحيد الممارسة المهنية وتحقيق أكبر قدر من الفعالية والانسجام بين مختلف الأجهزة المتدخلة.

وخلص اللقاء إلى إصدار حزمة من التوصيات الاستراتيجية التي تروم الرفع من جودة البحث الجنائي وتعزيز النجاعة القضائية، وفي مقدمتها تعزيز آليات التنسيق المؤسساتي بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، وإحداث آلية مركزية مشتركة لتلقي الإشكالات العملية المرتبطة بالتطبيق الميداني للقانون ودراستها وإيجاد الحلول المناسبة لها.

كما دعا المشاركون إلى تحيين الدليل العملي الخاص بتجويد الأبحاث الجنائية ليتلاءم مع المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية، مع تسريع مشاريع الرقمنة وتطوير آليات التبادل الإلكتروني للمعطيات بين مختلف المؤسسات المعنية، بما يساهم في تسريع معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.

وفي سياق تعزيز القدرات المهنية، شددت التوصيات على أهمية تنظيم دورات تكوينية جهوية ومستمرة لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، قصد مواكبة المستجدات القانونية والتقنية التي تعرفها مجالات البحث والتحري، وتمكين المتدخلين من أدوات عملية حديثة تواكب تطور الجريمة وأساليب مكافحتها.

كما أوصى اللقاء بإعداد دليل استرشادي موحد يحدد آجال إنجاز الأبحاث الجنائية ويؤطر مسارها الإجرائي، مع الحرص على دقة التعليمات الصادرة عن النيابة العامة واستكمال المعطيات الخاصة بالمشتكين، خاصة وسائل التواصل والإشعار، بما يضمن إخبارهم بمآل شكاياتهم في إطار من الشفافية والتواصل المؤسساتي الفعال.

وفي ما يتعلق بالإجراءات المقيدة للحرية، أكدت التوصيات ضرورة تكريس الطابع الاستثنائي للحراسة النظرية وتعليل قرارات تمديدها وفق الضوابط القانونية، مع تعزيز التنسيق بشأن تطبيق المقتضيات الجديدة الخاصة باستنطاق المشتبه فيهم، ومراجعة تدبير برقيات البحث وضمان استعمالها في الحدود التي يقتضيها القانون فقط.

ولم تغفل أشغال اللقاء التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال المالي والرقمي، حيث أولى المشاركون اهتماماً خاصاً بالأبحاث المالية الموازية، داعين إلى تعزيز التكوين في مجالات تتبع الأموال المتحصلة من الأنشطة الإجرامية ومراقبة التعاملات المرتبطة بالعملات الرقمية، فضلاً عن اعتماد نماذج موحدة لمحاضر البحث المالي وإحداث نظام وطني لتتبع الأموال المحجوزة والممتلكات المجمدة.

كما شددت التوصيات على أهمية تعزيز التعاون مع المؤسسات البنكية والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، بما يمكن من تسريع الحصول على المعطيات الضرورية للأبحاث مع ضمان حماية حقوق الغير حسن النية والحفاظ على القيمة الاقتصادية للأموال والممتلكات موضوع التجميد أو الحجز.

وفي ظل التطور المتسارع للجريمة الإلكترونية واعتماد الشبكات الإجرامية على الوسائل الرقمية الحديثة، خصص اللقاء حيزاً مهماً لموضوع تقنيات البحث الخاصة، حيث دعا المشاركون إلى توسيع برامج التكوين المتخصص وإعداد دلائل عملية تؤطر استعمال الوسائل التقنية الحديثة، من قبيل تحديد المواقع الجغرافية واعتراض الاتصالات والتقاط الصور والأصوات، فضلاً عن تطوير آليات حفظ الأدلة الرقمية وتوثيقها وفق المعايير القانونية المعتمدة.

ويعكس هذا اللقاء الوطني رهان المؤسسات القضائية والأمنية بالمملكة على تحديث آليات البحث الجنائي وتطوير أدواته القانونية والتقنية، بما ينسجم مع الإصلاحات الكبرى التي تشهدها منظومة العدالة، ويعزز قدرتها على مواجهة مختلف أشكال الجريمة التقليدية والمستحدثة.

وفي ختام أشغاله، جددت الجهات المنظمة التزامها بمواصلة هذا النهج التشاركي القائم على التنسيق والتكامل بين مختلف المتدخلين، والعمل على تحويل التوصيات الصادرة عن اللقاء إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتتبع والتقييم، بما يضمن تنزيلاً موحداً وفعالاً لمستجدات قانون المسطرة الجنائية، ويرسخ دولة الحق والقانون، ويعزز ثقة المواطنين في العدالة الجنائية ومؤسسات إنفاذ القانون بالمملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى