سيادة الوطن وحقن الدماء: الدبلوماسية المغربية الحازمة تفكك جحيم “الهول” وتنقذ الحرائر والعالقين من مخالب النسيان

حينما تنطق المملكة المغربية بلغة السيادة، تذعن الجغرافيا وتتحول الأزمات المستعصية إلى انتصارات سياسية وإنسانية مدوية. ففي خطوة استراتيجية كبرى تبرز قوة الدولة المغربية ومحوريتها الجيوسياسية، انبعث بريق أمل حقيقي وحاسم في نفوس المغربيات المحتجزات في معسكرات الموت ومخلفات تنظيم “داعش” الإرهابي بشمال شرق سوريا، إثر نجاح الدبلوماسية الملكية الصارمة في كسر طوق الجمود المتواصل لثلاثة عشر عاماً، وإعادة فتح السفارة المغربية بالعاصمة السورية دمشق؛ وهو القرار السيادي الذي تحول فوراً إلى قارب نجاة كفيل بطي واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والأمنية.
ولم يكن فتح هذه القناة الدبلوماسية الرسمية مجرد إجراء بروتوكولي، بل جاء كترجمة ميدانية مباشرة لـ”حصون اليقظة المغربية” التي لا تترك مواطناً خلف الحدود دون حماية، وتجلت أولى ثمارها الملموسة في الاختراق الأمني والإداري الكبير الذي قادته المصالح القنصلية المغربية، والذي أسفر عن استعادة خمس مغربيات من جحيم مخيم “الهول” وعودتهن سالِمات إلى أرض الوطن؛ وهي الخطوة التي أنعشت آمال 54 امرأة مغربية أخرى عَالقة مع أطفالهن ينتظرن بفارغ الصبر معانقة تراب المملكة بعد سنوات من الضياع والاحتجاز قسراً في بيئة طحنها الإرهاب.
وتكشف هذه العملية الاستثنائية، التي جرت على دفعتين متزامنتين مع الأيام المباركة لشهر ذي الحجة، عن الكفاءة العالية للمنظومة الأمنية والقنصلية المغربية؛ إذ نجحت الأجهزة الوطنية في تنسيق جراحي مباشر مع السلطات السورية لتجاوز التعقيدات القانونية والإدارية، والتحقق الدقيق من الهويات، وحسم ملفات الحالة المدنية والنسب المعقدة للأطفال الذين ولدوا في بؤر التوتر. ورغم العقبات اللوجستيكية التي حاولت فرضها أطراف إقليمية عبر تشديد شروط العبور، فرضت المملكة هيبتها لتأمين مسار جوي آمن لعودة مواطنيها عبر دولة قطر، مؤكدة أن “اليد الطولى” للمغرب قادرة على حماية وصون كرامة أبنائها أينما وجدوا.
إن المقاربة المغربية في معالجة هذا الملف الشائك تفوق مجرد العمل القنصلي الصرف، بل تبرز كنموذج دولي رائد يوازن بين الصرامة الأمنية الاستباقية لتأمين الأمن القومي للبلاد من خطابات التطرف، وبين البعد الإنساني والحقوقي الملتزم بالدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة لاسيما الأطفال؛ وهو الأمر الذي جعل من عودة العلاقات الثنائية بين الرباط ودمشق محط إشادة دولية واسعة، بعدما عجزت قوى عظمى عن تفكيك أزمة رعاياها داخل مخيم “الهول” الذي يعد أكبر تجمع لعائلات التنظيم المتطرف في العالم.
وفي المحصلة، يثبت المغرب مجدداً أنه القوة الإقليمية الأبرز التي تملك القدرة الشاملة على إدارة الأزمات وتحويل خيوط القطيعة الدبلوماسية إلى أوراق ضغط وإنجاز ميداني مستدام. ومع استمرار الآلة الدبلوماسية المغربية في استكمال مساطر العودة لباقي المحتجزات والعالقين، يُغلق المغرب صفحة من المعاناة بالحديد والحكامة، ليعود العالقون إلى دفء الوطن تحت السيادة التامة للمملكة، مكرسين حقيقة ثابتة: أن المغرب لا يفرط في أمنه، ولا يترك أبناءه في عراء النسيان.






