احتقان متصاعد في القطاع الفلاحي ونقابة تعلن التصعيد الوطني في مواجهة اختلالات التدبير… ووزير الفلاحة في مرمى الانتقادات بسبب تعثر الحوار وتعطيل الملفات الاجتماعية

دخلت شغيلة القطاع الفلاحي بالمغرب مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، في ظل تنامي حالة الاحتقان الناتجة عن ما تصفه الأوساط النقابية باستمرار تجاهل المطالب الاجتماعية وتعثر تنفيذ الالتزامات الحكومية، وهو ما أعاد إلى الواجهة أعطاب التدبير داخل وزارة الفلاحة، التي باتت تواجه انتقادات متزايدة بسبب غياب حلول ملموسة لملفات عالقة تمس فئات واسعة من المستخدمين والعمال الزراعيين.
وفي هذا السياق، أعلنت نقابة تمثل شغيلة القطاع الفلاحي عن استئناف برنامج نضالي وطني، عقب اجتماع استثنائي خصص لتقييم مسار الحوار الاجتماعي، حيث خلص إلى أن الوعود الحكومية ظلت حبيسة الرفوف، وأن عدداً من الملفات الحيوية لا يزال يعرف جموداً غير مبرر، خصوصاً تلك المرتبطة بتحسين الأوضاع المهنية وتسوية الوضعيات الإدارية لفئات عريضة داخل المنظومة الفلاحية.
البيان الصادر في هذا الإطار أشار إلى أن المشاورات التي جرت خلال الفترة الماضية، سواء مع وزارة الفلاحة أو مع القطاعات الحكومية الأخرى المعنية، لم تفض إلى نتائج عملية، وهو ما يعكس، وفق تعبيره، ضعفاً واضحاً في الإرادة السياسية لمعالجة اختلالات القطاع، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية التعاطي مع قضايا الشغيلة التي تشتغل في ظروف صعبة وتنتظر إنصافاً طال أمده.
ولم تخفِ النقابة انتقادها الصريح للأداء الحكومي، معتبرة أن وزارة الفلاحة تتحمل مسؤولية مباشرة في تعثر تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي القطاعي، وفي استمرار تعطيل عدد من الأنظمة الأساسية الخاصة بمؤسسات عمومية حيوية، من قبيل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ووكالة التنمية الفلاحية والمعهد الوطني للبحث الزراعي، وهي مؤسسات يفترض أن تشكل رافعة أساسية لتطوير القطاع، لكنها ما تزال تعيش على وقع اختلالات بنيوية تؤثر بشكل مباشر على أوضاع العاملين بها.
وفي خطوة تصعيدية واضحة، كشفت النقابة عن برنامج نضالي متدرج، ينطلق بتنظيم وقفات احتجاجية جهوية ومحلية ابتداءً من الأسبوع الأول من شهر ماي، على أن يتوج بوقفتين مركزيتين أمام كل من وزارة الفلاحة والوزارة المكلفة بالميزانية، وصولاً إلى خوض إضراب وطني مع بداية شهر يونيو، في ما وصفته بـ“معركة الكرامة والإنصاف”، في إشارة إلى حجم التوتر الذي بات يطبع العلاقة بين الشغيلة والقطاع الوصي.
ويأتي هذا التصعيد تزامناً مع الاستعداد لتنظيم المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، وهو الحدث الذي اعتادت الوزارة تقديمه كواجهة لنجاحات الاستراتيجية الفلاحية، غير أن النقابة تعتزم تحويل هذه المناسبة إلى منصة احتجاجية لفضح ما تعتبره تناقضاً صارخاً بين الخطاب الرسمي الذي يروج لإنجازات القطاع، والواقع الاجتماعي الذي تعيشه الشغيلة في الحقول والمؤسسات التابعة.
وفي هذا السياق، يواجه وزير الفلاحة موجة انتقادات لاذعة، حيث يُتهم بعدم القدرة على تدبير الملفات الاجتماعية بنفس الحزم الذي تُدار به البرامج التقنية والاستثمارية، إذ يرى متتبعون أن التركيز المفرط على المؤشرات الاقتصادية والمشاريع الكبرى يتم على حساب البعد الاجتماعي، وهو ما عمق الفجوة بين الإدارة المركزية والعاملين في الميدان، وكرس شعوراً متزايداً بالإقصاء والتهميش.
كما تؤكد النقابة أن من بين أبرز المطالب المطروحة على طاولة الحوار، تسوية وضعية حاملي الشهادات، وتحسين الأجور وظروف العمل، إلى جانب تحقيق المساواة التدريجية بين الحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي ونظيره في القطاع الصناعي في أفق سنة 2028، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق التي ما تزال قائمة بين مختلف القطاعات الإنتاجية.
وفي موازاة هذا التصعيد، دعت النقابة عموم الشغيلة الفلاحية إلى التعبئة المكثفة والانخراط في مختلف الأشكال الاحتجاجية المعلنة، مؤكدة أن المرحلة تقتضي توحيد الصفوف لمواجهة ما وصفته بسياسة الآذان الصماء، خاصة في ظل استمرار تجاهل المطالب المشروعة لفئات تساهم بشكل أساسي في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
ورغم هذا التوتر، سجلت النقابة بإيجابية بعض المبادرات المحدودة، من بينها إبرام اتفاقية شغل جماعية مع إحدى الشركات العاملة في مجال تخزين الحبوب، معتبرة أن الحوار الجاد والمسؤول يظل السبيل الأمثل لتحقيق المكتسبات، غير أن ذلك يظل، حسب تعبيرها، استثناءً لا يعكس الوضع العام الذي يتسم بالتعثر والتأجيل.
في المحصلة، يبدو أن القطاع الفلاحي مقبل على مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الاحتجاجات واتساع رقعة الغضب الاجتماعي، في وقت بات فيه وزير الفلاحة مطالباً بتقديم أجوبة واضحة وعملية، بدل الاكتفاء بخطابات عامة لم تعد تقنع شغيلة أنهكها الانتظار، وأصبحت ترى في التصعيد خياراً وحيداً لفرض مطالبها على طاولة القرار.






