اقتصاد

أرقام صادمة تكشف واقعاً اجتماعياً مقلقاً: أسر مغربية تحت ضغط الغلاء وتراجع المعيشة وسط فشل واضح في كبح الأزمة وغياب أجوبة حكومية مقنعة

تكشف نتائج البحث الأخير حول الظرفية لدى الأسر المغربية، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، عن صورة قاتمة للوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمملكة، حيث تؤكد المعطيات الرسمية ما يعيشه المواطن يومياً من ضغط متزايد وغلاء غير مسبوق، في مقابل خطاب حكومي لم يعد يقنع حتى أكثر المتفائلين.

الأرقام جاءت صادمة بكل المقاييس، إذ صرحت نسبة 75,1% من الأسر بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل أقل من 6% فقط رأت تحسناً، وهو ما يعكس انهياراً واضحاً في القدرة الشرائية وتآكلاً مستمراً للطبقة المتوسطة، التي كانت إلى وقت قريب صمام أمان الاستقرار الاجتماعي، قبل أن تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء لا ترحم.

ولم يقف الأمر عند حدود تشخيص الواقع، بل امتد إلى المستقبل، حيث عبرت 45,1% من الأسر عن تشاؤمها من استمرار هذا التدهور خلال السنة المقبلة، في مقابل نسبة ضعيفة لا تتجاوز 16,4% تراهن على تحسن محتمل، وهو مؤشر خطير يعكس فقدان الثقة في السياسات العمومية وفي قدرة الحكومة على قلب المعادلة الاقتصادية لصالح المواطنين.

وفي ما يخص سوق الشغل، تبرز الأرقام اختلالاً مقلقاً، إذ تتوقع 57,9% من الأسر ارتفاع البطالة خلال الفترة المقبلة، في وقت تروج فيه الحكومة لخطابات حول تحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، ما يعكس فجوة صارخة بين الواقع المعيشي والخطاب الرسمي، ويطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة السياسات المعتمدة في هذا المجال.

كما أن 66,9% من الأسر تعتبر الظرفية غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، وهو ما يؤشر على حالة ركود اقتصادي صامت، حيث يتراجع الاستهلاك بفعل الخوف من المستقبل، وتتحول الأولويات نحو تأمين الحاجيات الأساسية فقط، في مشهد يعكس اقتصاداً يترنح تحت ضغط الغلاء وتآكل الدخل.

الأخطر من ذلك أن التوازن المالي للأسر بات هشاً بشكل غير مسبوق، إذ بالكاد تمكنت 59,9% من تغطية مصاريفها، في حين اضطرت 37,5% إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض، بينما لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2,5%، وهو رقم يكشف بوضوح أن مفهوم الادخار أصبح شبه منعدم لدى الغالبية، وأن أي صدمة اقتصادية إضافية قد تدفع شريحة واسعة نحو الهشاشة.

أما بخصوص المستقبل المالي، فإن 87,8% من الأسر لا تتوقع القدرة على الادخار خلال السنة المقبلة، وهو معطى يعكس غياب الأفق الاقتصادي واستمرار حالة القلق الجماعي، في وقت يفترض فيه أن تلعب السياسات الحكومية دوراً في إعادة الثقة وتحفيز الاستهلاك والاستثمار.

وفي صلب هذه الأزمة، يبرز عامل الغلاء كأحد أبرز مظاهر الاختلال، حيث أكدت 93,3% من الأسر ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال السنة الماضية، مع توقع 78,9% استمرار هذا الارتفاع، وهو ما يعكس فشلاً واضحاً في ضبط الأسواق ومحاربة المضاربات، رغم تعدد التصريحات الرسمية التي تتحدث عن إجراءات رقابية لم تظهر آثارها على أرض الواقع.

هذه الأرقام لا يمكن قراءتها فقط كمؤشرات تقنية، بل هي رسالة قوية تكشف عمق الأزمة الاجتماعية التي تتخبط فيها شريحة واسعة من المغاربة، وتضع الحكومة أمام مسؤولياتها السياسية والأخلاقية، إذ لم يعد مقبولاً الاستمرار في تبرير الوضع بعوامل خارجية أو تقلبات دولية، في وقت ينتظر فيه المواطن إجراءات ملموسة تعيد التوازن إلى قدرته الشرائية وتضع حداً لنزيف الأسعار.

إن ما تعكسه معطيات المندوبية السامية للتخطيط هو واقع لا يمكن الالتفاف عليه، حيث تتآكل الثقة، ويتصاعد القلق، وتتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وهو ما يفرض مراجعة عميقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، لأن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط التوازنات المالية للأسر، بل يضع الاستقرار الاجتماعي برمته على المحك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى