حكومة أخنوش في اختبار الأزمات: حصيلة ثقيلة تُقاس بالإنجاز لا بالشعارات ..من إرث ثقيل وعشرية الإنهاك إلى ورش إصلاح شامل بأرقام غير مسبوقة

في لحظة سياسية دقيقة، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يضع حصيلة عمل حكومته أمام المؤسسة التشريعية، ليس من باب التبرير، بل من زاوية التقييم الواقعي لأداء تنفيذي واجه واحدة من أعقد المراحل التي عرفها المغرب منذ عقود. مرحلة تداخلت فيها الأزمات العالمية مع التحديات الداخلية، وفرضت على السلطة التنفيذية تدبيراً استثنائياً في زمن استثنائي.
منذ تنصيبها سنة 2021، وجدت الحكومة نفسها أمام إرث ثقيل خلّفته مرحلة امتدت لعشر سنوات، قادتها حكومة حزب العدالة والتنمية، في سياق ما بعد الربيع العربي، وهي مرحلة وُصفت من قبل العديد من المتابعين بكونها أرهقت القدرة الشرائية للمواطنين، وعمّقت اختلالات قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل. عشر سنوات عجاف بكل المقاييس، ورثت عنها الحكومة الحالية تركة اجتماعية واقتصادية معقدة.
غير أن التحدي الأكبر لم يكن فقط في معالجة هذا الإرث، بل في مواجهة صدمات متتالية، بدأت بتداعيات جائحة كورونا، وامتدت إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية بسبب الحروب، و تزامنا مع كوارث طبيعية ضربت البلاد، وصولاً إلى سنوات الجفاف القاسية التي ضربت المغرب، وأثرت بشكل مباشر على الأمن المائي والغذائي.
حكومة الأزمات… اختبار الميدان لا الخطاب
في معرض حديثه أمام البرلمان، شدد أخنوش على أن قيمة الحكومات لا تُقاس بالوعود، بل بقدرتها على تدبير الأزمات، وهو الامتحان الذي خاضته حكومته في أكثر من محطة مفصلية. من زلزال الحوز إلى فيضانات الجنوب الشرقي،و فياضانات الشمال، مروراً بالتقلبات الاقتصادية العالمية، برزت الدولة المغربية بتوجيهات ملكية سامية وفق المعطيات المقدمة—كنموذج في سرعة التدخل وفعالية الاستجابة.
في ملف زلزال الحوز، أُحدثت لجنة وزارية خاصة، عقدت أكثر من 13 اجتماعاً لتتبع برنامج إعادة الإعمار. وتمكنت الحكومة من دعم 63 ألفاً و800 أسرة بمنحة شهرية قدرها 2500 درهم، بكلفة إجمالية قاربت 2 مليار درهم، إلى جانب تخصيص أكثر من 2.7 مليار درهم لإعادة البناء، مع منح 57 ألف رخصة، وصرف دفعات مالية متتالية للأسر المتضررة.
ولم يقتصر التدخل على الدعم المالي، بل شمل إعادة تأهيل 147 مركزاً صحياً بكلفة تفوق 562 مليون درهم، وإصلاح 372 مؤسسة تعليمية، إلى جانب تأهيل 624 كيلومتراً من الطرق، وتوسيع 224 كيلومتراً، وإصلاح أكثر من 131 منشأة فنية، في عملية إعادة إعمار شاملة أعادت الحياة إلى المناطق المنكوبة.
الفيضانات… تدبير استباقي ونجاعة ميدانية
وفي مواجهة فيضانات الجنوب الشرقي ومناطق أخرى، أبانت الحكومة عن تعبئة سريعة، حيث تم تقديم مساعدات مالية تراوحت بين 80 ألفاً و140 ألف درهم للأسر المتضررة، مع إطلاق برنامج استعجالي لفائدة 80 جماعة ترابية، بكلفة بلغت 540 مليون درهم، شمل إصلاح الطرق والبنيات التحتية.
كما تم تخصيص دعم مباشر للأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة بقيمة 6000 درهم، و15 ألف درهم لإصلاح المنازل والمحلات، و140 ألف درهم للمساكن المنهارة كلياً، في تدخل وُصف بأنه جنّب خسائر بشرية أكبر، وأشاد به حتى إعلام دولي.
القطاع الاجتماعي… قلب الإصلاحات الحكومية
على المستوى الاجتماعي، راهنت الحكومة على توسيع قاعدة الحماية الاجتماعية، حيث ارتفع عدد المستفيدين من نظام العمال غير الأجراء من 8 آلاف فقط سنة 2021 إلى 1.7 مليون مستفيد سنة 2025. كما تم إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي شمل 4 ملايين أسرة بميزانية تجاوزت 26 مليار درهم.
وفي السكن، استفادت أكثر من 96 ألف أسرة من برنامج الدعم المباشر، بكلفة بلغت 7.8 مليار درهم، في خطوة غير مسبوقة لدعم ولوج الطبقات المتوسطة والفقيرة إلى السكن.
الصحة… إصلاح هيكلي واستثمار غير مسبوق
قطاع الصحة، الذي كان من أكثر القطاعات تضرراً في السابق، عرف بدوره تحولات ملموسة، حيث ارتفعت ميزانيته إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026، وتم إطلاق 8 مستشفيات جامعية، ثلاثة منها دخلت الخدمة، فيما خمسة في طور الإنجاز.
كما ارتفع عدد كليات الطب من 7 إلى 11، وعدد المقاعد البيداغوجية من 2700 إلى أكثر من 6400، في حين زادت المناصب المالية بنسبة 18%، في محاولة لسد الخصاص المزمن في الموارد البشرية.
التعليم والحوار الاجتماعي… معالجة ملفات “ملغومة”
في قطاع التعليم، الذي وُصف بأنه “ملف ثقيل”، بلغت الميزانية أكثر من 99 مليار درهم، وتمت تسوية وضعية 114 ألف أستاذ، في خطوة أنهت سنوات من الاحتقان.
أما الحوار الاجتماعي، فقد خصصت له الحكومة 46 مليار درهم، وهو رقم يفوق مجموع ما تم رصده في ثلاث ولايات حكومية سابقة، واستفاد منه أكثر من 4 ملايين موظف وأجير.
الاقتصاد والبنيات التحتية… أرقام تعكس التحول
اقتصادياً، رفعت الحكومة الاستثمار العمومي إلى 340 مليار درهم، ونجحت في تقليص عجز الميزانية من 5.5% إلى 3.5%، مع خفض التضخم إلى 0.8% سنة 2025. كما ارتفعت المداخيل الجبائية إلى 342 مليار درهم، وتحويلات مغاربة العالم إلى 122 مليار درهم.
في المقابل، سجل الاقتصاد نمواً متوسطه 4.5% رغم الجفاف، فيما بلغت الصادرات 469 مليار درهم، وعائدات السياحة 138 مليار درهم، واستثمارات أجنبية بقيمة 65 مليار درهم.
وعلى مستوى البنيات التحتية، ارتفعت الطرق المزدوجة بنسبة 55%، وتم تعزيز قدرات تحلية المياه بنسبة 800%، ليصل الإنتاج إلى 415 مليون متر مكعب، مع بناء 7 سدود جديدة.
كما رسّخ المغرب موقعه كقوة صناعية إفريقية، بإنتاج مليون سيارة سنة 2025، إلى جانب مشاريع استراتيجية كالهيدروجين الأخضر (43 مليار دولار)، وميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة.
حكومة اشتغلت تحت الضغط وراكمت النتائج
ما بين إرث ثقيل، وسياق دولي مضطرب، وكوارث طبيعية متتالية، تبدو حصيلة حكومة عزيز أخنوش أقرب إلى تجربة تدبير أزمات متعددة أكثر من كونها مجرد ولاية حكومية عادية.
وبين خطاب سياسي يراهن على الانتقاد، وأرقام ميدانية تعكس حجم التدخلات، يبقى التقييم النهائي رهيناً بقدرة هذه الإصلاحات على الاستمرار وترجمة أثرها على الحياة اليومية للمواطن المغربي.






