سياسة

قبل أشهر من نهاية الولاية.. الحكومة عند “عنق الزجاجة” وملفات اجتماعية ملتهبة تهدد الاستقرار

تدخل الساحة الاجتماعية بالمغرب مرحلة دقيقة ومشحونة، تزامناً مع اقتراب جولة جديدة من الحوار الاجتماعي، في سياق يتسم بتراكم المطالب وارتفاع منسوب القلق لدى فئات واسعة من المواطنين، حيث لم تعد المؤشرات الحالية توحي بإمكانية إنتاج حلول سريعة أو توافقات سهلة، بل على العكس، يبدو أن الهوة بين الانتظارات والقدرة على الاستجابة اتسعت بشكل غير مسبوق، ما جعل هذه الجولة المرتقبة محاطة بكثير من الشكوك حول جدواها الفعلية، خاصة في ظل استمرار الضغط الاقتصادي الذي يعيشه المواطن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في لحظة سياسية حساسة تسبق نهاية ولايتها بأشهر قليلة.

في هذا السياق، تعود المطالب الاجتماعية الكبرى إلى الواجهة بقوة، حيث تتقاطع انتظارات الشغيلة مع مطالب فئات واسعة من المجتمع في ضرورة إقرار زيادات ملموسة في الأجور والمعاشات تتماشى مع موجة الغلاء، إلى جانب مراجعة النظام الضريبي بما يخفف العبء عن الطبقة المتوسطة، خصوصاً ما يتعلق بالضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة المفروضة على المواد الأساسية، غير أن الإشكال لا يكمن فقط في طبيعة هذه المطالب، بل في كونها ظلت لسنوات موضوع التزامات معلنة دون تنزيل فعلي بالسرعة المطلوبة، ما خلق حالة من فقدان الثقة في جدوى الحوار الاجتماعي كآلية قادرة على إنتاج حلول حقيقية، وأعطى الانطباع بأن الزمن الاجتماعي يسير بوتيرة أسرع من الزمن الحكومي.

وبموازاة ذلك، يطفو ملف إصلاح أنظمة التقاعد كواحد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، حيث يثير أي حديث عن تغييرات محتملة مخاوف عميقة لدى الموظفين والأجراء، خاصة في ظل الحديث عن إجراءات قد تمس بشكل مباشر مداخيلهم، سواء عبر رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات، وهو ما يجعل هذا الملف بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة إذا لم يتم تدبيره بمنطق توافقي يراعي التوازن بين استدامة الصناديق وحماية القدرة الشرائية، خصوصاً أن السياق الحالي لا يتحمل قرارات قد تُفسَّر على أنها تحميل إضافي للفئات الهشة والمتوسطة.

ولا يقل ملف أسعار المحروقات والمواد الأساسية خطورة عن غيره، إذ لا تزال تداعيات الغلاء تلقي بظلالها على الحياة اليومية للمواطنين، في ظل انتقادات متزايدة لغياب تدخلات حاسمة لضبط السوق ومواجهة مظاهر الاحتكار والمضاربات، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول السياسات الطاقية وضرورة البحث عن حلول بنيوية، من بينها إعادة إحياء قدرات التكرير الوطنية وتعزيز السيادة الطاقية، خاصة وأن استمرار الوضع الحالي يعمق الإحساس بعدم التوازن بين تطور الأسعار وثبات المداخيل، ويغذي مشاعر الاحتقان داخل المجتمع.

وفي خضم هذا المشهد، تتواصل الاحتجاجات القطاعية في عدد من المجالات الحيوية، من التعليم إلى النقل وغيرها، في تعبير واضح عن حالة غليان اجتماعي لم تعد مقتصرة على فئة دون أخرى، بل امتدت لتشمل شرائح متعددة، وهو ما يعكس وجود أزمة ثقة حقيقية في قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للانتظارات، ويطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة المقاربات المعتمدة في تدبير الملفات الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات قوية على انفراج قريب.

كل هذه المعطيات تضع حكومة عزيز أخنوش أمام وضع معقد يختزل عنوان المرحلة، حيث تبدو وكأنها وصلت إلى مرحلة “عنق الزجاجة”، إذ لم يعد ممكناً تأجيل الحسم في الملفات الكبرى أو الاكتفاء بحلول جزئية، في وقت يتقلص فيه هامش الزمن السياسي وتتعاظم الضغوط الاجتماعية، ما يجعل أي تعثر إضافي مكلفاً ليس فقط على مستوى الأداء الحكومي، بل أيضاً على مستوى الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يفرض تسريع وتيرة الإصلاحات وتقديم إشارات قوية تعيد الثقة وتؤكد جدية التعاطي مع هذه التحديات.

وفي المحصلة، يبدو أن المغرب يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تتطلب إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة في توزيع الثروة، وحماية الفئات الهشة، وتعزيز فعالية الحوار الاجتماعي، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي، لأن استمرار الوضع الحالي دون معالجات عميقة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى