جدل الجمع بين التدريس الجامعي والمحاماة يعود إلى الواجهة… احتجاجات أمام البرلمان تفتح نقاش الاستقلالية والأخلاقيات المهنية

أعاد الجدل المرتبط بإمكانية الجمع بين مهنة التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة نفسه إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، عقب الوقفة الاحتجاجية التي نظمها، يوم الأربعاء، عدد من الأساتذة الجامعيين أمام البرلمان، للمطالبة بتمكينهم من الجمع بين المهنتين في إطار مشروع قانون مهنة المحاماة المعروض للنقاش.
الوقفة، التي رفعت شعارات تدعو إلى مراجعة المقتضيات القانونية المتعلقة بحالات التنافي، أعادت فتح نقاش مهني وقانوني وأخلاقي واسع حول طبيعة العلاقة الممكنة بين الجامعة والمحاماة، وحدود التوفيق بين الوظيفة العمومية ومهنة يفترض فيها الاستقلال الكامل عن مختلف السلط والمؤسسات.
ويعتبر المحتجون أن تمكين الأساتذة الجامعيين من ممارسة المحاماة من شأنه أن يخلق جسراً بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، ويساهم في تطوير البحث القانوني وربط الجامعة بمحيطها المهني والقضائي، مشيرين إلى أن عدداً من التجارب المقارنة تسمح بأشكال مختلفة من الجمع بين التدريس وبعض المهن الحرة.
في المقابل، يرى عدد من المهنيين والفاعلين في قطاع العدالة أن مهنة المحاماة تقوم أساساً على مبدأ الاستقلالية، باعتباره أحد المرتكزات الجوهرية لضمان حق الدفاع وحماية التوازن داخل منظومة العدالة، معتبرين أن الجمع بين المحاماة ووظيفة عمومية قد يثير إشكالات مرتبطة بتداخل الصفات والالتزامات المهنية.
ويؤكد الرافضون لفكرة الجمع أن المحامي، بحكم دوره في الدفاع عن الحقوق والحريات، مطالب بالتحرر من أي تبعية إدارية أو وظيفية قد تؤثر على استقلال قراره المهني، فيما يظل الأستاذ الجامعي خاضعاً، بحكم القانون، لمنظومة إدارية ومؤسساتية تنظم علاقته بالوظيفة العمومية.
كما أثار الاحتجاج نقاشاً آخر مرتبطاً بالبعد الرمزي للمهنة، بعد ظهور بعض المشاركين مرتدين بذلة المحاماة رغم عدم ممارستهم الفعلية للمهنة، وهو ما اعتبره عدد من المحامين مسألة تطرح تساؤلات حول حدود استعمال الرموز المهنية داخل الأشكال الاحتجاجية.
وفي خضم هذا الجدل، برزت أيضاً أصوات تدعو إلى مقاربة أكثر هدوءاً وتوازناً، تقوم على فتح نقاش مؤسساتي معمق يشارك فيه ممثلو هيئات المحامين والجامعات والفاعلون التشريعيون، من أجل الوصول إلى صيغة تحافظ على استقلالية المهنة من جهة، وتستفيد من الخبرات الأكاديمية من جهة أخرى، دون المساس بمبادئ العدالة وأخلاقيات المهن القانونية.
ويرى متابعون أن النقاش الدائر يتجاوز مجرد مطلب فئوي، ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بتحديث منظومة العدالة، وتحديد الحدود الفاصلة بين الوظائف العمومية والمهن الحرة، وكذا إعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة وسوق المهن القانونية بالمغرب.
كما أعاد هذا السجال تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الجامعة المغربية نفسها، سواء على مستوى البحث العلمي أو الحكامة أو القضايا الأخلاقية التي عرفتها بعض المؤسسات الجامعية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل عدداً من الأصوات تعتبر أن الأولوية ينبغي أن تنصب أيضاً على إصلاح منظومة التعليم العالي وتعزيز دورها العلمي والقيمي داخل المجتمع.
وفي انتظار الحسم التشريعي النهائي في مشروع قانون مهنة المحاماة، يبدو أن الجدل حول حالات التنافي سيظل مفتوحاً داخل الأوساط القانونية والأكاديمية، بين من يعتبر الجمع بين المهنتين قيمة مضافة يمكن أن تغني الممارسة القانونية، ومن يرى فيه تهديداً لمبدأ الاستقلالية الذي يشكل أحد أعمدة مهنة الدفاع.






