قضايا

تسريب بيانات المستثمرين يضع وزارة كريم زيدان تحت المجهر.. حين يصبح الاستثمار رهينة للبلوكاج والمراكز الجهوية أمام اختبار الثقة

ادعاءات خطيرة حول تسريب قاعدة بيانات ضخمة تضم معطيات مرتبطة بآلاف المستثمرين تضع وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية أمام امتحان ثقيل، ليس فقط على مستوى الأمن السيبراني، وإنما على مستوى الحكامة والثقة في منظومة الاستثمار برمتها. وبينما لم يصدر إلى حدود إعداد هذا الملف تأكيد رسمي مستقل يثبت حجم التسريب أو مصدره، فإن مجرد تداول هذه المعطيات على نطاق واسع يفرض على الوزارة الخروج من الصمت وتقديم توضيحات للرأي العام، خصوصاً أن القطاع الذي يديره كريم زيدان يفترض أن يكون عنواناً لتسهيل الاستثمار، لا مصدراً جديداً للقلق والانتظار والشك.

لم يكن ملف الاستثمار في المغرب يوماً مجرد تدبير إداري عادي، فهو أحد أهم الأوراش الاقتصادية التي تحظى بعناية ملكية مباشرة، باعتبار الاستثمار رافعة لخلق الثروة وفرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. ولهذا فإن أي ارتباك يصيب منظومة الاستثمار، سواء تعلق بتأخر المشاريع أو تعقيد المساطر أو ضعف التنسيق أو حماية البيانات والمعطيات الحساسة، يتحول تلقائياً إلى قضية تتجاوز حدود الإدارة المعنية لتصبح مسألة مرتبطة بصورة المغرب الاقتصادية وبثقة المستثمرين في مؤسسات الدولة.

من هنا تأتي خطورة الادعاءات المتداولة خلال الأيام الأخيرة بشأن تعرض وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية لتسريب إلكتروني واسع، بعد نشر جهة تدعي اختراق أنظمة الوزارة معطيات تتحدث عن أكثر من 150 ألف مجلد وبيانات مرتبطة بأكثر من 50 ألف مستثمر، فضلاً عن وثائق إدارية وتراخيص ومعطيات مرتبطة ببطاقات التعريف الوطنية وشركات ومؤسسات عمومية، مع ادعاء أن الحجم الإجمالي للبيانات يتجاوز 400 جيغابايت.

لكن قبل إطلاق الأحكام، لا بد من التذكير بأن هذه الأرقام والمعلومات لم يتم تأكيدها بشكل مستقل ورسمي حتى الآن، كما لم تتضح بصورة نهائية طبيعة الاختراق المزعوم، ولا ما إذا كانت الجهة التي نشرت العينات تمتلك فعلاً كامل البيانات التي تدعي حيازتها. وهذه نقطة جوهرية في أي معالجة صحفية مهنية، لأن الأمن السيبراني لا يحتمل بناء الاستنتاجات على مجرد منشورات مجهولة المصدر.

غير أن عدم وجود تأكيد رسمي لا يعني أن الملف يمكن تجاهله.

على العكس تماماً، إذا ثبتت صحة هذه الادعاءات، فإن الأمر لن يكون مجرد حادث تقني عابر، وإنما سيكون إخفاقاً مؤسساتياً بالغ الخطورة، بالنظر إلى حساسية طبيعة البيانات التي يُفترض أن توجد داخل منظومة الاستثمار، وما يمكن أن تتضمنه من وثائق شركات وملفات مستثمرين ومعطيات شخصية وإدارية ومالية.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن حماية هذه المنظومة؟

كريم زيدان أمام امتحان لم يعد يحتمل البيانات الإنشائية

كريم زيدان لم يتسلم حقيبة هامشية، بل أُسندت إليه وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، وهي وزارة توجد في قلب أحد أهم رهانات الدولة الاقتصادية.

والوزارة نفسها تعرف اختصاصاتها بأنها تشمل إعداد وتتبع تنفيذ سياسة الدولة في مجالات الاستثمار ومناخ الأعمال والتقائية وتقييم السياسات العمومية، كما أن المراكز الجهوية للاستثمار أصبحت تحت وصاية رئيس الحكومة، مع تفويض جزء من الصلاحيات إلى وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية منذ ماي 2022.

أي أن الحديث هنا ليس عن قطاع بعيد عن القرار الاقتصادي، وإنما عن منظومة أصبحت لها مسؤولية مباشرة في مواكبة المستثمرين وتوجيه الاستثمار وتنسيق مختلف المتدخلين.

ولهذا فإن التساؤل مشروع: هل أصبحت الوزارة قادرة فعلاً على تدبير هذه المسؤولية بالحجم والسرعة والصرامة التي يتطلبها الاستثمار المغربي؟

فخلال الأشهر الماضية، كانت الوزارة تقدم أرقاماً كبيرة حول المشاريع المصادق عليها والاستثمارات المنتظرة، إذ أعلنت الحكومة في يوليوز 2025 عن المصادقة على 237 مشروعاً استثمارياً بقيمة تجاوزت 369 مليار درهم، مع توقع خلق أكثر من 166 ألف منصب شغل قار.

لكن المستثمر لا يعيش على الأرقام المعلنة فقط.

المستثمر يريد قراراً سريعاً، وإدارة منسقة، ومساطر واضحة، وأجوبة في آجال معقولة، وقبل كل شيء يريد أن يطمئن إلى أن وثائقه وبياناته ومعلومات شركته لن تتحول إلى مادة متداولة في السوق السوداء الرقمية.

وهنا تحديداً تصبح قضية التسريب المزعوم أكثر حساسية.

الوزارة التي وعدت بتسهيل الاستثمار مطالبة الآن بتفسير ما يحدث

في فبراير 2026، ترأس كريم زيدان ورشة عمل مع مديري المراكز الجهوية للاستثمار، في إطار ما وصفته الوزارة بالرؤية الجديدة لتعزيز دور هذه المراكز ومواصلة إصلاحها، مع العمل على ترسيخ تموقعها كمحرك ومرجع للاستثمار على المستوى الجهوي.

هذا الخطاب جميل من الناحية المؤسساتية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تغير فعلياً بالنسبة للمستثمر؟

لأن المراكز الجهوية للاستثمار ظلت في السنوات الأخيرة موضوع نقاش واسع، بين من يرى أنها قطعت أشواطاً في تسهيل المساطر، وبين مستثمرين وحاملي مشاريع يشكون من طول الإجراءات وتعدد المتدخلين وبطء اتخاذ القرار.

وقد نشرت وسائل إعلام خلال شتنبر 2026 انتقادات بشأن استمرار تعقيد المساطر، ووجود مشاريع تواجه عراقيل داخل المراكز الجهوية للاستثمار والوكالات الحضرية، رغم الإصلاحات التي أعلنتها الحكومة.

وهذا يطرح مفارقة واضحة: الدولة تتحدث عن تسريع الاستثمار، والوزارة تتحدث عن إصلاح المراكز، بينما يظل جزء من المستثمرين يشتكون من الانتظار والتعقيد.

والآن يظهر ملف آخر أكثر حساسية: حماية البيانات.

فإذا كان المستثمر مطالباً بأن يقدم للإدارة وثائق شركته وهويته وتراخيصه ومعطياته المالية والإدارية، فمن حقه أن يعرف كيف تحمي الدولة هذه المعلومات، ومن يملك صلاحية الولوج إليها، وكيف تتم مراقبة الأنظمة التي تحتضنها.

المراكز الجهوية للاستثمار.. من الواجهة الإدارية إلى اختبار المسؤولية

المراكز الجهوية للاستثمار ليست مجرد شبابيك إدارية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الدولة لجذب المشاريع ومواكبتها، ولذلك فإن أي خلل في أدائها ينعكس مباشرة على صورة المغرب أمام المستثمر المحلي والأجنبي.

الحكومة نفسها أقرت إصلاحاً جديداً لهذه المراكز، من خلال مشروع مرسوم يروم تعزيز دورها واللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، وتحسين الولوج إلى آليات الدعم والمواكبة، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة.

لكن الإصلاح المؤسساتي لا ينبغي أن يتحول إلى تغيير في الأسماء والهياكل فقط.

المطلوب هو قياس النتائج: كم مشروعاً وصل فعلاً إلى مرحلة التنفيذ؟ كم ملفاً توقف؟ ما متوسط آجال دراسة المشاريع؟ أين تتعطل الملفات؟ ما حجم الاستثمارات التي تعطلت بسبب المساطر؟ وما هي نسبة المشاريع التي تحولت من مجرد اتفاقيات وصور وتوقيعات إلى مصانع ومناصب شغل ومشاريع منتجة؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح اليوم على الوزارة وعلى المراكز الجهوية للاستثمار.

فالمغرب لا يحتاج إلى مزيد من الصور البروتوكولية حول توقيع الاتفاقيات، بقدر ما يحتاج إلى مشاريع تتحول إلى واقع اقتصادي.

والنتيجة السياسية جاءت من اليوسفية

في خضم هذه الأسئلة، جاءت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 لتضيف بعداً سياسياً لافتاً إلى وضع كريم زيدان.

الوزير اختار دائرة اليوسفية لخوض الانتخابات باسم التجمع الوطني للأحرار، وكان ترشيحه مقدماً باعتباره اختباراً لحضور الوزير في الميدان وقدرته على تحويل موقعه الحكومي إلى رصيد انتخابي.

لكن النتيجة جاءت قاسية.

فبحسب النتائج المنشورة، حصل كريم زيدان على 5,780 صوتاً وحل في المرتبة الرابعة، خلف مرشحي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاستقلال، ولم يتمكن بالتالي من الحصول على مقعد برلماني.

والأكثر دلالة أن المعطيات المنشورة حول الحكومة المنتهية ولايتها تشير إلى أن زيدان كان العضو الحكومي الوحيد من بين المرشحين الـ15 الذين لم يفوزوا بمقعد برلماني.

وهذه ليست تفصيلاً انتخابياً بسيطاً.

فالوزير الذي يدير قطاعاً استثمارياً بالغ الحساسية دخل الانتخابات وهو يحمل معه اسم الوزارة والحصيلة الحكومية، وكان يفترض أن تكون التجربة الحكومية رصيداً سياسياً له في الميدان.

لكن صناديق الاقتراع قالت شيئاً آخر.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن النتيجة الانتخابية تثبت وجود فشل في تدبير الوزارة، فالحكم على الأداء الحكومي لا يصدره صندوق انتخابي واحد، لكن النتيجة تظل مؤشراً سياسياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوزير اختار بنفسه خوض الانتخابات لإثبات حضوره السياسي والميداني.

من انتقاد «البلوكاج» إلى سؤال المسؤولية

خلال فترة تدبير قطاع الاستثمار، ظلت مسألة تسريع المشاريع حاضرة بقوة في الخطاب الحكومي، وهو ما دفع الوزارة إلى تنظيم لقاءات وإصلاحات تستهدف المراكز الجهوية للاستثمار.

لكن إذا كان المستثمر لا يزال يواجه عراقيل، وإذا كانت الملفات تتأخر، وإذا أصبحت بيانات المستثمرين نفسها مهددة ــ في حال ثبتت واقعة التسريب ــ فإن الوزارة مطالبة بالانتقال من لغة التبرير إلى لغة المسؤولية.

لا أحد يطلب من الوزارة أن تمنع كل هجوم إلكتروني في عالم أصبحت فيه المؤسسات الحكومية والخاصة هدفاً دائماً لمحاولات الاختراق.

لكن المطلوب هو أن تكون هناك منظومة حماية متقدمة، ومراقبة مستمرة، وخطط استجابة، وتدقيق مستقل، وتحديد واضح للمسؤوليات، وإخبار للرأي العام عندما يتعلق الأمر بمعطيات شخصية حساسة.

وإذا ثبت أن بيانات آلاف المستثمرين خرجت فعلاً من منظومة مرتبطة بالوزارة، فإن الأمر يستوجب تحقيقاً تقنياً وقانونياً وإدارياً شاملاً، لا مجرد بلاغ مقتضب.

المغرب يحتاج استثماراً حقيقياً لا استثماراً على الورق

المشكلة الأعمق ليست في شخص كريم زيدان وحده، بل في طريقة تدبير منظومة الاستثمار برمتها.

المغرب قطع أشواطاً مهمة في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبنى خلال السنوات الأخيرة منظومة صناعية قوية في قطاعات السيارات والطيران والطاقة وغيرها، كما أطلق ميثاقاً جديداً للاستثمار يستهدف رفع حصة الاستثمار الخاص، وتؤكد الوزارة أن الدولة تستهدف بلوغ 65 في المائة من الاستثمار الخاص في أفق 2035.

لكن هذه الإنجازات لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتجاهل نقاط الضعف.

الاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، وإنما بعدد المصانع التي فتحت أبوابها، وعدد العمال الذين التحقوا بها، وحجم الصادرات التي تحققت، ونسبة المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، وسرعة معالجة ملفات المستثمرين، وقدرة الإدارة على حماية المعطيات.

وإذا كانت الدولة تريد منافسة الوجهات الاستثمارية الكبرى، فلا بد أن تكون الإدارة أسرع من المنافسين، وأن تكون المساطر أبسط، وأن يكون القرار أكثر وضوحاً، وأن تكون حماية البيانات في أعلى مستوياتها.

السؤال الذي ينتظر جواباً رسمياً

في نهاية المطاف، يبقى ملف التسريب المزعوم في حاجة إلى جواب رسمي واضح.

هل تعرضت الوزارة فعلاً لاختراق؟

هل البيانات المنشورة أصلية؟

هل تخص فعلاً مستثمرين تعاملوا مع الوزارة أو المراكز الجهوية للاستثمار؟

هل حجمها يتجاوز مئات الجيغابايت؟

هل هناك بيانات شخصية لمواطنين ومستثمرين؟

وإذا ثبت الاختراق، متى وقع؟ وكيف اكتُشف؟ وما حجم الضرر؟ وهل تم إشعار الجهات المختصة والمتضررين؟

هذه ليست أسئلة إعلامية للبحث عن الإثارة، بل أسئلة طبيعية في دولة تريد أن تقدم نفسها كوجهة آمنة للاستثمار.

أما إذا ثبت أن الادعاءات زائفة أو مضخمة، فعلى الوزارة أن تقول ذلك بوضوح وتنشر ما يثبت سلامة أنظمتها، لأن الصمت في ملفات من هذا النوع يترك المجال واسعاً للإشاعة ويضر بصورة المؤسسة أكثر مما يحميها.

لقد أصبحت وزارة الاستثمار أمام امتحان مزدوج: امتحان الكفاءة في تسريع الاستثمار، وامتحان الثقة في حماية منظومته الرقمية.

أما كريم زيدان، الذي انتهت تجربته الانتخابية في اليوسفية بهزيمة واضحة وحلوله رابعاً بـ5,780 صوتاً، فلم يعد أمامه مجال للاختباء خلف لغة الأرقام العامة.

فالمرحلة المقبلة تحتاج مسؤولين يقاس نجاحهم بما أنجزوه على الأرض، وبما وفروا من فرص الشغل، وبما سهلوا من مشاريع، وبما حموا من معطيات، لا بعدد الاجتماعات والصور والبلاغات.

وإذا ثبتت واقعة التسريب، فإنها ستكون واحدة من أخطر الضربات التي تتعرض لها منظومة الاستثمار العمومي في عهد زيدان، وستطرح من جديد سؤالاً أكبر من الوزير نفسه: هل نجحت الإصلاحات التي قيل إنها ستجعل المراكز الجهوية للاستثمار محركات حقيقية للاقتصاد، أم أن المغرب ما زال يحتاج إلى إصلاح أعمق يجعل المستثمر يصل إلى القرار بسرعة، ويخرج من الإدارة وهو يحمل مشروعاً حقيقياً لا ملفاً إضافياً؟

وليس عدد المجلدات المسربة وحده ما ينبغي أن يقلق المسؤولين، وإنما عدد المشاريع التي تنتظر، وعدد المستثمرين الذين ينتظرون، وعدد فرص الشغل التي يمكن أن تضيع عندما تتحول الإدارة من رافعة للاستثمار إلى حلقة جديدة في سلسلة الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى