سياسة

تحليل إخباري: فاس بين صراع السياسة وتعثر التنمية.. هل فقد مجلس الجماعة بوصلته في تدبير العاصمة العلمية؟

تعيش فاس منذ سنوات على وقع مفارقة سياسية وتدبيرية عميقة؛ فمن جهة، تعرف العاصمة العلمية للمملكة إطلاق أوراش كبرى ومشاريع استراتيجية تقودها الدولة والسلطات الترابية والمؤسسات الجهوية، ومن جهة أخرى، يغرق مجلس الجماعة في دوامة من الصراعات السياسية والتجاذبات الحادة التي باتت تؤثر بشكل مباشر على السير العادي لعدد من المشاريع والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية للساكنة.

وخلال الدورة التكميلية المكملة لنقط جدول أعمال دورة ماي الأخيرة، ظهر حجم التوتر الذي بات يطبع العلاقة بين مكونات الأغلبية والمعارضة داخل المجلس الجماعي، في مشهد وصفه متابعون بـ”المرهق” لصورة المدينة ولمؤسساتها المنتخبة، بعدما تحولت الجلسات إلى فضاءات للصراخ السياسي وتبادل الاتهامات والمزايدات، بدل أن تكون لحظة لمناقشة قضايا التنمية الحقيقية التي تنتظرها الساكنة منذ سنوات.

ورغم أن جزءاً مهماً من الانتقادات التي طالت العمدة عبد السلام البقالي ومكتبه المسير خلال الولاية الحالية تبدو مبررة بالنظر إلى تعثر عدد من الملفات الحيوية، فإن جانباً من المعارضة بدوره أصبح محل انتقاد واسع بسبب ما يعتبره متابعون “معارضة من أجل المعارضة”، حيث يتم أحياناً إسقاط منطق الصراع الانتخابي على مشاريع وبرامج يمكن أن تعود بالنفع على المدينة، فقط من أجل تسجيل المواقف السياسية ورفع منسوب التنافس الحزبي مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وقد بدا واضحاً خلال مناقشة عدد من النقاط المدرجة في جدول الأعمال أن بعض المشاريع الاستراتيجية أصبحت رهينة للتجاذب السياسي، وعلى رأسها مشروع إعادة هيكلة وتحديث قطاع الإنارة العمومية، الذي يعد من القطاعات التي تستنزف ميزانية الجماعة وتثير حولها انتقادات متواصلة مرتبطة بضعف الجودة وارتفاع الكلفة وتكرار الأعطاب في عدد من الأحياء والشوارع.

كما أثار مشروع إحداث شركة للتنمية المحلية تعنى بتدبير المساحات الخضراء والخدمات الحضرية نقاشاً واسعاً داخل المجلس، في وقت يرى فيه عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن المدينة أصبحت في حاجة فعلية إلى آليات حديثة في التدبير قادرة على تجاوز البيروقراطية والبطء الإداري الذي طبع تدبير الجماعة لسنوات.

ويؤكد متابعون أن فاس لم تعد تحتمل المزيد من الصراعات العقيمة، خاصة وأن عدداً من المدن المغربية بدأت تعتمد بشكل متزايد على شركات التنمية المحلية والمؤسسات الجهوية المتخصصة لتدبير قطاعات حيوية كالنظافة والإنارة والمساحات الخضراء والنقل، مع تركيز الجماعات الترابية على أدوار التتبع والمراقبة والتقييم الاستراتيجي بدل الغرق في التدبير اليومي المباشر الذي أثبت محدوديته في أكثر من مناسبة.

وفي مقابل هذه المشاريع، برزت داخل دورة ماي انتقادات قوية مرتبطة بتخصيص اعتمادات مالية مهمة لفائدة جمعيات المجتمع المدني، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن جزءاً من هذه الدعمات يثير علامات استفهام كبيرة، خاصة في ظل غياب تقييم واضح للأثر الحقيقي لبعض الجمعيات المستفيدة على التنمية المحلية.

ويرى فاعلون مدنيون أن ربط الدعم العمومي بمنطق الولاءات السياسية أو الحسابات الانتخابية يسيء لصورة العمل الجمعوي الجاد، ويحول المال العام إلى أداة لاستمالة بعض الجمعيات وتقوية النفوذ الانتخابي قبيل الاستحقاقات المقبلة، بدل توجيهه نحو مشاريع اجتماعية وثقافية وتنموية حقيقية تستجيب لحاجيات الأحياء الهامشية والشباب والنساء والفئات الهشة.

وفي خضم هذا الجدل، تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طريقة تدبير الدعم العمومي داخل الجماعة، عبر اعتماد معايير أكثر شفافية وربط الاستفادة بالنتائج والمردودية والبرامج القابلة للتقييم، بعيداً عن أي شبهة توظيف سياسي أو انتخابي للمال العام.

ولا يقف النقاش عند حدود المعارضة والأغلبية فقط، بل إن عدداً من المتابعين أصبحوا يتحدثون عن أزمة حقيقية في قيادة المجلس الجماعي نفسه، في ظل ما يوصف بضعف الانسجام داخل الأغلبية المسيرة، وغياب رؤية موحدة لتدبير الملفات الكبرى، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على صورة المجلس وعلى قدرته على مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة.

فالعمدة، بحسب متابعين، لم ينجح خلال السنوات الماضية في بناء أغلبية سياسية متماسكة قادرة على تمرير المشاريع الكبرى والدفاع عنها، كما لم يتمكن في المقابل من تدبير علاقته مع المعارضة بمنطق سياسي ومؤسساتي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار داخل المجلس، وهو ما جعل حالة التوتر والصدام تتحول إلى مشهد دائم في أغلب الدورات.

وفي الوقت الذي يعيش فيه المجلس على وقع هذه الصراعات، تواصل السلطات الترابية والمؤسسات الجهوية تنزيل عدد من الأوراش الكبرى التي غيرت ملامح المدينة خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال مشاريع التأهيل الحضري أو إصلاح البنيات التحتية أو تحديث شبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل.

وقد برز بشكل لافت دور شركة فاس الجهة للتهيئة في تنزيل عدد من المشاريع الحضرية الكبرى، إلى جانب تدخلات الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس التي أصبحت تضطلع بأدوار محورية في تدبير قطاعات استراتيجية مرتبطة بالخدمات الأساسية.

ويعتبر متابعون أن هذه المؤسسات الجهوية أبانت في عدد من الأوراش عن قدرة أكبر على الإنجاز والتتبع واحترام آجال التنفيذ، مقارنة بحالة الارتباك التي يعيشها التدبير الجماعي المباشر داخل المجلس، ما يطرح مجدداً سؤال الحكامة المحلية ومدى قدرة الجماعة على مواكبة التحولات الجديدة التي يعرفها المغرب في مجال التدبير الترابي.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الاستعدادات الوطنية الكبرى المرتبطة بأفق كأس العالم 2030، حيث يُنتظر من المدن المغربية الكبرى، ومنها فاس، أن ترتقي ببنياتها التحتية وخدماتها وصورتها الحضرية لتكون في مستوى التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة.

ففاس، بما تختزنه من رمزية تاريخية وثقافية وسياحية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتجاوز حالة البلوكاج السياسي والتدبيري التي تعيشها، والانخراط في دينامية وطنية يقودها الملك محمد السادس، تقوم على تحديث المدن وتحسين جودة الخدمات وتعزيز جاذبية الاستثمار وتأهيل المجال الحضري.

لكن، في المقابل، يرى عدد من الفاعلين أن ما يهدد المدينة اليوم ليس فقط ضعف الإمكانيات أو تعقيد الملفات، بل استمرار منطق الصراع السياسي الضيق داخل المجلس الجماعي، حيث أصبحت لغة الصراخ والمواجهات الحادة تطغى على النقاش المؤسساتي الرصين، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى تعبئة جماعية وإلى توافقات كبرى حول أولويات التنمية.

ويؤكد متابعون أن الساكنة الفاسية لم تعد تنتظر خطابات سياسية متبادلة أو معارك انتخابية مبكرة، بقدر ما تنتظر حلولاً ملموسة لمشاكل النقل والنظافة والإنارة والطرقات والاختناق المروري والمجال الأخضر والخدمات الإدارية، وهي الملفات التي ظلت لسنوات مصدر شكايات يومية دون حلول جذرية واضحة.

كما أن عدداً من الأحياء الهامشية بالمدينة ما تزال تعاني من خصاص كبير في التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية، في وقت تستمر فيه النقاشات السياسية داخل المجلس بعيداً عن الانشغالات الحقيقية للمواطنين، الأمر الذي عمق فجوة الثقة بين الساكنة والمؤسسة المنتخبة.

ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن المرحلة المقبلة تفرض على مختلف القوى السياسية بمدينة فاس القيام بمراجعة عميقة لطرق الاشتغال والتدبير، والانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق الإنتاج والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن المدينة لم تعد تحتمل مزيداً من التعثر والتجاذبات.

فالعاصمة العلمية للمملكة، بتاريخها ومكانتها وإمكاناتها البشرية والاقتصادية، تستحق مجلساً قوياً ومنسجماً يشتغل بعقلية التدبير الحديث، ويضع مصلحة الساكنة فوق الحسابات الحزبية الضيقة، خاصة في مرحلة دقيقة تستعد فيها المملكة لرهانات وطنية ودولية كبرى قد تجعل من فاس واحدة من أبرز واجهات المغرب خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى