سياسة

“قبل انتخابات شتنبر 2026.. مجلس جهة فاس ـ مكناس يستفيق على ملف التشغيل بعد خمس سنوات من الصمت والبهرجة لا تخفي فشل إنقاذ الجهة من البطالة”

في الوقت الذي تستعد فيه جهة فاس ـ مكناس لاحتضان “النسخة الأولى للملتقى الجهوي للتكوين والتشغيل” ما بين 14 و16 ماي 2026 بقصر المؤتمرات للصناعة التقليدية بفاس، يطفو على السطح سؤال سياسي واجتماعي ثقيل: أين كان مجلس الجهة طيلة السنوات الخمس الماضية؟ ولماذا يستفيق اليوم، قبيل أشهر قليلة فقط من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، على ملف التشغيل الذي ظل لعقود أحد أكبر جراح الجهة المفتوحة؟

فالمتابع للشأن الجهوي لا يحتاج إلى كثير من الذكاء ليفهم أن توقيت هذا الملتقى ليس بريئاً بالكامل، وأن الرهان الإعلامي والسياسي حاضر بقوة، خصوصاً مع الحملة الدعائية الواسعة التي رافقت الحدث، ومحاولة بعض أعضاء وعضوات مكتب المجلس تقديم أنفسهم فجأة كمدافعين عن قضايا الشباب والعاطلين وحاملي الشهادات العليا، بعد سنوات من الإجتماعات و قاعاتها المؤثثة بما لذ و طاب و من رحلات البحث عن المصالح الشخصية،و من الصمت والتدبير الباهت لملف اقتصادي واجتماعي معقد.

الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أن جهة فاس ـ مكناس تعيش واحدة من أصعب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وطنياً، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وهروب الاستثمار، وركود المناطق الصناعية، وتراجع الجاذبية الاقتصادية للجهة مقارنة بمدن أخرى استطاعت أن تتحول إلى أقطاب اقتصادية حقيقية.

ووفق آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فقد سجلت جهة فاس ـ مكناس معدل بطالة بلغ 14,2 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، لتصنف ضمن الجهات الأربع الأكثر بطالة بالمملكة، متجاوزة المعدل الوطني المحدد في 10,8 في المائة.

هذه الأرقام ليست مجرد نسب تقنية جامدة، بل تعكس أزمة اجتماعية خانقة يعيشها آلاف الشباب الذين فقدوا الثقة في الوعود السياسية والملتقيات الموسمية والشعارات الفضفاضة. فالتشغيل لا يصنع عبر الندوات والبهرجة الإعلامية، ولا عبر الصور الرسمية واللافتات الضخمة، بل يصنع عبر سياسات اقتصادية حقيقية، واستقطاب الاستثمار المنتج، وتأهيل البنية الاقتصادية للجهة، وربط الجامعة بسوق الشغل، وخلق مناخ أعمال قادر على إقناع المستثمر بالبقاء لا بالهروب.

ومن يتجول اليوم داخل عدد من المناطق الصناعية بفاس ومكناس وصفرو وتازة، سيدرك حجم الركود الذي تعيشه الجهة. معامل أغلقت أبوابها، ومستثمرون نقلوا مشاريعهم نحو طنجة والقنيطرة والدار البيضاء ومراكش، بسبب غياب التحفيز الحقيقي، وتعقيد المساطر، وضعف المواكبة، وغياب رؤية اقتصادية جهوية متكاملة.

والأخطر من ذلك، أن النقاش الحالي حول التشغيل يتم تقديمه وكأن الجهة تعاني فقط من بطالة مرتبطة باليد العاملة البسيطة أو العمل اليومي، بينما الأزمة الحقيقية تضرب بالأساس حاملي الشهادات العليا وخريجي الجامعات والمعاهد، الذين وجدوا أنفسهم بين البطالة والهجرة الداخلية والخارجية أو الاحتجاج المستمر.

فكم من معطل بجهة فاس ـ مكناس دخل في اعتصامات طويلة لسنوات دون أن يجد آذاناً صاغية؟ وكم من حامل شهادة عليا احترق عمره أمام أبواب الإدارات والمسابقات الشكلية؟ وكم من شاب فقد الأمل في مدينة كانت يوماً عاصمة علمية وثقافية واقتصادية للمملكة؟

إن الحديث عن التشغيل اليوم لا يمكن أن ينفصل عن مساءلة الحصيلة التنموية لمجلس الجهة نفسه، خصوصاً أن هذا الأخير أشرف خلال السنوات الماضية على تنزيل عدد من المشاريع عبر وكالة تنفيذ المشاريع، وهي مشاريع كلفت الملايير من المال العام، لكن جزءاً مهماً منها لم ينعكس بشكل مباشر على تحسين ظروف عيش الساكنة أو خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة.

بل إن عدداً من المشاريع الجهوية ما تزال تلاحقها أسئلة الاختلالات وضعف الحكامة وتأخر الإنجاز وجدوى الإنفاق، في وقت كانت فيه الأولوية الحقيقية هي إنقاذ الاقتصاد الجهوي وإعادة الروح إلى فاس ومحيطها.

فالجهة لا تحتاج اليوم إلى مهرجانات خطابية حول التشغيل، بقدر ما تحتاج إلى ثورة اقتصادية حقيقية تعيد الاعتبار للمقاولة، وللاستثمار الصناعي، وللشباب الكفؤ، وللجامعة، وللتكوين المرتبط فعلياً بحاجيات السوق.

كما أن التسويق الإعلامي المكثف لهذا الملتقى يثير بدوره الكثير من علامات الاستفهام، خاصة مع محاولات بعض المنتخبين استغلال ملف حساس اجتماعياً لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية مبكرة، وكأن الشباب العاطل مجرد خزان انتخابي موسمي يتم تذكره كلما اقترب موعد الاقتراع.

إن سكان جهة فاس ـ مكناس لا ينتظرون اليوم خطابات منمقة أو عروضاً بروتوكولية، بل ينتظرون أجوبة واضحة: لماذا تراجعت الجهة اقتصادياً؟ ولماذا هرب المستثمرون؟ ولماذا لم تتحول فاس إلى قطب صناعي وسياحي قوي رغم مؤهلاتها التاريخية والبشرية؟ وأين ذهبت الوعود السابقة المتعلقة بالتشغيل والتنمية؟

فالتشغيل ليس عملية علاقات عامة، وليس حملة تواصلية ظرفية، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية واقتصادية تتطلب الجرأة في اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضخ المال العام في مشاريع منتجة تخلق الثروة وفرص العمل، بدل الاستمرار في تدوير نفس الخطابات التي استهلكها المواطن لسنوات.

لقد أصبحت جهة فاس ـ مكناس في حاجة إلى إنقاذ اقتصادي حقيقي، لا إلى مواسم انتخابية مقنعة تحت عناوين التنمية والتشغيل. والشباب الذي يعيش البطالة والتهميش يومياً لم يعد يقتنع بسهولة بالصور الرسمية ولا بالملتقيات العابرة، لأنه يريد نتائج ملموسة على الأرض، وفرصاً تحفظ الكرامة، ومستقبلاً لا تدفعه الهجرة أو اليأس أو الاحتجاج المفتوح.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل جاء هذا الملتقى فعلاً لإيجاد حلول حقيقية لأزمة التشغيل؟ أم أنه مجرد محطة سياسية وإعلامية جديدة في سباق انتخابي مبكر؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن ساكنة الجهة أصبحت أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين التنمية الحقيقية والبهرجة المؤقتة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى