بقيادة جلالة الملك محمد السادس.. مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري يقترب من الانطلاق ويعزز موقع المغرب كقوة طاقية إفريقية

يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ترسيخ حضوره كفاعل استراتيجي صاعد في القارة الإفريقية، بعدما كشفت معطيات جديدة عن اقتراب إطلاق واحد من أضخم المشاريع الطاقية بالقارة، والمتعلق بخط أنبوب الغاز المغربي النيجيري، الذي تقدر كلفته بحوالي 25 مليار دولار.
ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية النيجيرية، فإن الرئيس النيجيري بولا تينوبو والعاهل المغربي الملك محمد السادس يرتقب أن يوقعا اتفاقية حكومية دولية خلال الربع الأخير من سنة 2026، في خطوة ستشكل محطة مفصلية للانتقال بالمشروع من مرحلة الدراسات التقنية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
ويعد هذا الورش الضخم، المعروف باسم “أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي”، أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي أطلقها الملك محمد السادس ضمن رؤية مغربية تقوم على تعزيز التعاون جنوب-جنوب، وربط التنمية الاقتصادية بالاندماج الإفريقي، بعيداً عن المقاربات التقليدية الضيقة.
المشروع، الذي تم الاتفاق حوله منذ نحو عشر سنوات، لا يُنظر إليه فقط كخط لنقل الغاز، بل كممر اقتصادي وجيوسياسي ضخم سيعيد رسم خريطة الطاقة بالقارة الإفريقية، ويفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا والمغرب وأوروبا.
وبحسب المعطيات الرسمية، سيمتد الأنبوب على مسافة تناهز 6900 كيلومتر عبر مسارات بحرية وبرية، بطاقة استيعابية تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، بينها 15 مليار متر مكعب ستخصص لتزويد المغرب ودعم صادرات الطاقة نحو السوق الأوروبية.
هذا المشروع يعكس، في العمق، نجاح الرؤية الملكية التي جعلت من المغرب منصة إقليمية للطاقة والاستثمار والتعاون الإفريقي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية التي دفعت أوروبا إلى البحث عن بدائل جديدة وآمنة لتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن مناطق التوتر التقليدية.
كما أن اختيار المغرب كشريك محوري في هذا المشروع لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي تتمتع به المملكة، إضافة إلى البنية التحتية المتطورة التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الموانئ أو الطاقات المتجددة أو شبكات الربط اللوجستي.
ويرى متابعون أن المشروع يحمل أبعاداً تتجاوز قطاع الطاقة، إذ سيساهم في خلق دينامية اقتصادية واسعة تشمل الاستثمار والصناعة والتشغيل والبنيات التحتية، فضلاً عن تعزيز الأمن الطاقي لعدد من الدول الإفريقية التي ستعبر منها الشبكة الغازية.
كما أن المشروع يعزز موقع المغرب كلاعب إقليمي مؤثر في ملف الأمن الطاقي العالمي، خصوصاً مع تصاعد الطلب الأوروبي على مصادر جديدة للطاقة بعد التحولات التي شهدتها الأسواق الدولية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، برز الدور المركزي الذي يقوده المغرب على المستوى الإفريقي، من خلال بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، وهو ما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى المملكة كشريك موثوق وقوة استثمارية صاعدة داخل القارة.
ولم يقتصر التنسيق المغربي النيجيري على قطاع الغاز فقط، بل امتد أيضاً إلى مجالات حيوية أخرى، أبرزها التعاون في إنتاج وتوزيع الأسمدة، في إطار مقاربة تستهدف تعزيز الأمن الغذائي بالقارة الإفريقية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالجفاف وارتفاع أسعار المواد الأولية عالمياً.
كما ناقش الجانبان إعادة تفعيل مجلس الأعمال المغربي النيجيري بهدف تعزيز المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة، خصوصاً في إطار منطقة التجارة الحرة الإفريقية، التي تراهن الرباط على أن تكون مدخلاً لتعزيز التكامل الاقتصادي القاري.
ويؤكد هذا المسار أن الدبلوماسية الاقتصادية المغربية، التي يقودها الملك محمد السادس، لم تعد تقتصر على البعد السياسي التقليدي، بل أصبحت تعتمد على مشاريع استراتيجية كبرى قادرة على خلق نفوذ اقتصادي وتنموي طويل الأمد داخل القارة الإفريقية.
وفي وقت تتسابق فيه القوى الدولية لتعزيز حضورها في إفريقيا، يبدو أن المغرب اختار مقاربة مختلفة تقوم على الشراكة المتوازنة والتنمية المشتركة، وهو ما يمنحه موقعاً متقدماً داخل القارة ويعزز حضوره كقوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية واضحة لمستقبل التعاون الإفريقي.
ومع اقتراب توقيع الاتفاقية الرسمية للمشروع، تتجه الأنظار إلى هذا الورش العملاق باعتباره أحد أكبر المشاريع الطاقية في تاريخ القارة، وواحداً من أبرز رهانات المغرب لتعزيز مكانته الدولية والإقليمية خلال السنوات المقبلة.






