الدبلوماسية الملكية تربك خصوم الوحدة الترابية.. واشنطن تجدد دعمها والمغرب يراكم الانتصارات السياسية في ملف الصحراء

تواصل الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، تحقيق اختراقات متتالية في ملف الصحراء المغربية، وسط تحولات دولية وإقليمية باتت تعزز بشكل متزايد موقع المملكة داخل المنتظم الدولي، وتضع خصوم الوحدة الترابية في موقف دفاعي غير مسبوق، بعد سنوات من الرهان على إطالة أمد النزاع واستنزاف المسار الأممي.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط وإفريقيا، لتؤكد من جديد أن المغرب نجح في فرض مقاربته السياسية والدبلوماسية كخيار واقعي وذي مصداقية لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
المسؤول الأمريكي لم يخفِ وجود تطور مهم في هذا الملف خلال المرحلة الأخيرة، خاصة بعد اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي فتح الباب أمام لقاءات جمعت مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، في خطوة تعكس حجم التحول الذي تعرفه المقاربة الدولية تجاه هذا الملف.
لكن خلف هذه التصريحات، تبرز حقيقة سياسية أعمق، وهي أن المغرب استطاع، عبر الدبلوماسية الملكية الهادئة والفعالة، نقل ملف الصحراء من دائرة “نزاع إقليمي جامد” إلى قضية تحظى بدعم متزايد لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق والواقعي.
فالتحركات التي يقودها الملك محمد السادس لم تعتمد فقط على الخطاب السياسي التقليدي، بل قامت على ما بات يوصف بـ”الدبلوماسية الناعمة”، التي مزجت بين الحضور الاقتصادي والاستقرار الأمني والانفتاح الإفريقي والشراكات الدولية المتوازنة، وهو ما مكن المغرب من بناء شبكة واسعة من الحلفاء والداعمين عبر العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت المملكة في تحقيق اختراقات دبلوماسية متتالية أربكت حسابات جبهة البوليساريو والداعمة الرئيسية لها الجزائر، خصوصاً بعد موجة الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وافتتاح عشرات القنصليات بمدينة الداخلة والعيون، إضافة إلى الدعم الأمريكي الواضح لمغربية الصحراء، والذي شكل نقطة تحول مفصلية في مسار هذا النزاع.
كما أن المغرب استطاع استثمار موقعه كشريك استراتيجي موثوق للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والاستثمار، ما جعل عدداً من القوى الدولية ينظر إلى استقرار المغرب باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة ككل.
وفي هذا الإطار، لم تكن إشادة المسؤول الأمريكي بمناورات “الأسد الإفريقي 2026” مجرد موقف بروتوكولي، بل تعكس حجم الثقة الاستراتيجية التي باتت واشنطن تضعها في الرباط كشريك إقليمي أساسي في شمال إفريقيا والساحل. فالمغرب اليوم لم يعد مجرد حليف تقليدي للغرب، بل تحول إلى فاعل إقليمي مؤثر يمتلك قدرة متزايدة على إدارة التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة.
كما أن افتتاح القنصلية الأمريكية الجديدة بمدينة الدار البيضاء يحمل بدوره رسائل سياسية ودبلوماسية قوية، تؤكد عمق العلاقات التاريخية بين الرباط وواشنطن، خاصة وأن المغرب كان أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، في علاقة تمتد لأكثر من قرنين ونصف.
في المقابل، تبدو الجزائر أمام وضع دبلوماسي معقد، بعدما فشلت في إقناع المجتمع الدولي بأطروحتها التقليدية حول النزاع، رغم استمرارها في الإنفاق السياسي والإعلامي والدبلوماسي على هذا الملف. كما أن جبهة البوليساريو نفسها باتت تواجه عزلة متزايدة، خاصة مع تراجع حضورها داخل عدد من المحافل الدولية، وتنامي القناعة الدولية بأن منطق التصعيد العسكري لم يعد مقبولاً في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
ومن المؤشرات الدالة على هذا التحول أيضاً، الإدانة الأمريكية الواضحة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، حيث اعتبرت واشنطن أن أي أعمال من شأنها تهديد الاستقرار أو تقويض جهود التهدئة مرفوضة بشكل قاطع، في رسالة سياسية تحمل دلالات قوية بشأن رفض المجتمع الدولي لأي محاولات للعودة إلى منطق التصعيد.
ويرى متابعون أن المغرب نجح في كسب معركة “الصورة الدولية”، بعدما قدم نفسه كنموذج للاستقرار والإصلاح والانفتاح الاقتصادي، مقابل تراجع الخطاب الانفصالي الذي أصبح عاجزاً عن مواكبة التحولات الدولية الجديدة، خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالشراكات الاقتصادية والأمنية بدل النزاعات الإيديولوجية القديمة.
كما أن الرؤية الملكية تجاه إفريقيا لعبت دوراً محورياً في هذا التحول، إذ تمكن المغرب من بناء حضور اقتصادي ودبلوماسي قوي داخل القارة، عبر الاستثمارات والتعاون جنوب-جنوب، ما عزز مكانته كقوة إقليمية صاعدة تمتلك امتداداً إفريقياً مؤثراً.
اليوم، يبدو واضحاً أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكاسب السياسية والدبلوماسية للمغرب، في مقابل تراجع هامش المناورة لدى خصوم الوحدة الترابية. فالمملكة لم تعد تتحرك بمنطق رد الفعل، بل أصبحت تقود المبادرة دبلوماسياً واستراتيجياً، مستفيدة من شبكة علاقاتها الدولية ومن الثقة المتزايدة التي تحظى بها لدى القوى الكبرى.
وبينما يواصل المغرب تعزيز حضوره الإقليمي والدولي، تتأكد يوماً بعد آخر فعالية المقاربة الملكية التي اختارت العمل الهادئ والبناء الاستراتيجي بعيداً عن الضجيج، وهي المقاربة التي نجحت في تغيير موازين الملف لصالح المملكة، وأعادت رسم صورة المغرب كقوة دبلوماسية مؤثرة قادرة على الدفاع عن مصالحها بثبات وذكاء سياسي.





