رياضة

أسود الأطلس يدخلون مرحلة “التحضير الذكي” للمونديال.. وديات محسوبة لاختبار العمق التكتيكي قبل كأس العالم 2026

بدأت ملامح المرحلة الجديدة لتحضيرات المنتخب المغربي لكرة القدم تتضح بشكل أكبر، بعدما أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن برمجة ثلاث مباريات ودية أمام كل من بوروندي ومدغشقر والنرويج، في إطار الاستعدادات المتواصلة لكأس العالم 2026 التي ستحتضنها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.

هذا البرنامج الودي لا يمكن قراءته فقط باعتباره سلسلة مباريات تحضيرية عادية، بل يعكس توجهاً تقنياً واستراتيجياً واضحاً داخل الإدارة التقنية للمنتخب الوطني، التي تسعى إلى بناء منتخب قادر على الحفاظ على مكتسبات مونديال قطر 2022، والدخول إلى كأس العالم المقبلة بعقلية تنافسية أكبر، خصوصاً بعد أن أصبح المغرب يُنظر إليه كواحد من أبرز المنتخبات الصاعدة عالمياً، وليس فقط قارياً.

اختيار منتخبات مثل بوروندي ومدغشقر والنرويج يحمل في طياته رسائل تقنية متعددة. فمباراتا بوروندي ومدغشقر ستمنحان الناخب الوطني فرصة لتجريب عناصر جديدة وإعادة تقييم بعض الأسماء التي ظلت خارج دائرة التنافس خلال الفترة الماضية، إلى جانب اختبار حلول تكتيكية مختلفة أمام منتخبات تعتمد على الاندفاع البدني والضغط المباشر، وهي خصائص كثيراً ما تواجهها المنتخبات الإفريقية في التصفيات والمنافسات القارية.

أما مواجهة النرويج، فتبدو مختلفة تماماً من حيث القيمة الفنية والتكتيكية. فالمنتخب الإسكندنافي يمتلك أسلوب لعب أوروبي سريع ومنظم، كما يضم أسماء وازنة في الكرة الأوروبية، وهو ما سيجعل المباراة اختباراً حقيقياً لقدرة المنتخب المغربي على مواجهة مدارس كروية متنوعة، خصوصاً أن كأس العالم المقبلة ستفرض على “أسود الأطلس” التعامل مع إيقاعات لعب مختلفة ومعقدة.

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، تبدو واعية بأن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل الارتجال أو الاكتفاء بالنتائج المعنوية، بل تتطلب عملاً دقيقاً على مستوى التفاصيل الصغيرة، سواء المتعلقة بالجاهزية البدنية أو الانسجام التكتيكي أو حتى تدبير الضغط النفسي والإعلامي الذي أصبح يرافق المنتخب المغربي بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر.

كما أن برمجة مباراة أمام النرويج في الولايات المتحدة الأمريكية تحمل بعداً استراتيجياً مهماً، إذ لا يتعلق الأمر فقط بخوض مباراة ودية، بل أيضاً بالتأقلم المبكر مع الأجواء الأمريكية، من حيث الملاعب، التوقيت، الظروف المناخية والتنظيمية، وهي تفاصيل أصبحت تحسم أحياناً نجاح المنتخبات الكبرى في البطولات العالمية.

ومن الواضح أن الطاقم التقني بقيادة وهبي يسعى إلى توسيع قاعدة الاختيارات البشرية داخل المنتخب، خصوصاً في ظل المنافسة القوية التي باتت تعرفها مراكز عديدة داخل التشكيلة الوطنية. فالمنتخب المغربي لم يعد يعتمد على 11 لاعباً فقط، بل أصبح مطالباً ببناء مجموعة متكاملة قادرة على خوض بطولة طويلة ومعقدة مثل كأس العالم، التي تتطلب نفساً تكتيكياً وبدنياً عالياً.

وفي المقابل، تطرح هذه المرحلة أيضاً عدداً من التحديات أمام الجهاز التقني، أبرزها كيفية الحفاظ على التوازن داخل المجموعة الوطنية، خاصة مع تصاعد مطالب الجماهير والإعلام بمنح الفرصة لوجوه جديدة متألقة في الدوريات الأوروبية، مقابل استمرار الاعتماد على ركائز الخبرة التي صنعت إنجاز قطر.

كما أن بعض المتابعين يرون أن المنتخب المغربي بات مطالباً اليوم بتطوير أسلوبه الهجومي بشكل أكبر، بعدما نجح في فرض قوته الدفاعية والتنظيمية خلال السنوات الأخيرة. فالمنافسة في كأس العالم المقبلة لن تقتصر على تحقيق نتائج مشرفة فقط، بل ستضع المغرب أمام اختبار تأكيد مكانته ضمن المنتخبات الكبرى القادرة على لعب أدوار متقدمة بشكل مستمر.

ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً، أن الجامعة اختارت إقامة مباراة بوروندي بمركب محمد السادس دون جمهور، وهو ما قد يرتبط برغبة الطاقم التقني في العمل بعيداً عن الضغط الجماهيري والإعلامي، والتركيز على الجوانب التكتيكية الدقيقة، خاصة في مرحلة تتطلب هدوءاً أكبر من الضجيج المصاحب للمباريات الرسمية.

في المقابل، ستكون مواجهة مدغشقر بملعب الأمير مولاي عبد الله مناسبة لعودة المنتخب للاحتكاك بجماهيره داخل المغرب، في ظل الشعبية الكبيرة التي بات يحظى بها “أسود الأطلس”، حيث تحولت مباريات المنتخب إلى حدث وطني يحظى بمتابعة واسعة وانتظارات مرتفعة من الشارع الرياضي المغربي.

الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط في التأهل إلى كأس العالم، لأن المغرب تجاوز هذه المرحلة وأصبح حضوره في المونديال أمراً شبه اعتيادي، بل التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على الاستمرار داخل دائرة المنتخبات القوية عالمياً، وتفادي السقوط في فخ الاكتفاء بإنجاز قطر باعتباره محطة استثنائية غير قابلة للتكرار.

ولهذا تبدو المباريات الودية المقبلة أكثر من مجرد اختبارات تحضيرية، بل هي بداية فعلية لورش جديد داخل المنتخب المغربي، عنوانه الانتقال من منتخب يصنع المفاجآت إلى منتخب يفرض نفسه كقوة كروية مستقرة وقادرة على المنافسة في أعلى المستويات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى