تقرير مجلس الحسابات يعرّي أعطاب التدبير العمومي.. تنظيم نقابي يحذر من “دولة اجتماعية على الورق” ويفتح النار على ضعف المحاسبة وتفشي الفساد

عاد تقرير المجلس الأعلى للحسابات ليضع الحكومة والمؤسسات العمومية أمام مرآة الاختلالات المتراكمة، بعدما كشف من جديد حجم الأعطاب البنيوية التي ما تزال تنخر منظومة التدبير العمومي بالمغرب، وسط تصاعد الانتقادات بشأن ضعف التفاعل الجدي مع التقارير الرقابية، واستمرار الفجوة بين التشخيص والتنفيذ، وبين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه المواطن يومياً.
وفي هذا السياق، وجه تنظيم نقابي بمجلس المستشارين انتقادات حادة لطريقة تعامل الحكومة مع تقارير المؤسسات الدستورية، معتبراً أن ما كشفه المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن اختزاله في مجرد اختلالات تقنية أو إدارية معزولة، بل يعكس أزمة حقيقية في الحكامة وفي الإرادة السياسية لتحويل تقارير الرقابة إلى أدوات للإصلاح الفعلي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد التنظيم النقابي، خلال مناقشة العرض السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، أن المغرب يعيش اليوم حالة من “تراكم التشخيص مقابل ضعف التنفيذ”، حيث تستمر المؤسسات الرقابية في رصد نفس الأعطاب سنة بعد أخرى، دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على مستوى التصحيح والمساءلة والنجاعة التدبيرية.
وسجل المتدخلون أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات أعاد تسليط الضوء على اختلالات عميقة تمس تدبير المال العام، من بينها ضعف التنسيق بين المتدخلين، وبطء تنزيل التوصيات، ومحدودية آليات التقييم، إلى جانب الأعطاب المرتبطة بحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وتأخر إنجاز عدد من المشاريع، وضعف الأثر التنموي الحقيقي لبرامج ضخمة استنزفت اعتمادات مالية هائلة دون نتائج ملموسة توازي حجم الإنفاق العمومي.
واعتبر التنظيم النقابي أن خطورة هذه الاختلالات لا تكمن فقط في بعدها الإداري أو التقني، بل في كلفتها الاجتماعية المباشرة على المواطنين، لأن سوء التدبير، بحسب تعبيره، ينعكس في النهاية على جودة الخدمات العمومية، وعلى قدرة الدولة على ضمان العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المتوازنة.
وفي قراءته لورش الحماية الاجتماعية، توقف التنظيم عند الملاحظات التي أثارها المجلس الأعلى للحسابات بخصوص هذا المشروع الاستراتيجي، متسائلاً عما إذا كان المغرب يتجه فعلاً نحو “دولة اجتماعية حقيقية” يشعر فيها المواطن بثمار الإصلاح في حياته اليومية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون توسعاً إدارياً في التسجيل والاستفادة الشكلية دون ضمان فعلي للحقوق الأساسية.
وأوضح أن تعميم التغطية الصحية، رغم أهميته، لا يكفي لوحده إذا ظل المواطن عاجزاً عن الحصول على موعد للعلاج داخل المستشفيات العمومية، أو مضطراً للجوء إلى المصحات الخاصة وتحمل تكاليف إضافية تثقل كاهله، وهو ما يطرح، وفق التنظيم ذاته، سؤال النجاعة الحقيقية للسياسات الاجتماعية المعلنة.
كما شدد على أن برامج الدعم الاجتماعي، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن التشغيل القار والأجور الكريمة والخدمات العمومية القوية، معتبراً أن أي مشروع اجتماعي يفقد معناه عندما يعجز عن خلق طبقة متوسطة مستقرة وضمان شروط العيش الكريم للمواطنين.
وفي واحدة من أقوى الرسائل السياسية التي حملها النقاش، انتقد التنظيم النقابي ما وصفه بـ”التعامل الانتقائي” مع تقارير المؤسسات الرقابية، حيث يتم التفاعل إعلامياً مع بعض الملاحظات، بينما يتم تجاهل ملفات واختلالات أخرى دون ترتيب أي مسؤوليات أو محاسبة فعلية، الأمر الذي يفرغ، بحسبه، مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من مضمونه الدستوري، ويكرس ثقافة الإفلات من العقاب داخل عدد من القطاعات والمؤسسات.
ولم يخف المتدخلون تخوفهم من اتساع دائرة الفساد وتضارب المصالح، مقابل محدودية الملفات التي تتم إحالتها على القضاء، رغم ما تتضمنه بعض التقارير الرقابية من معطيات ثقيلة تتعلق بتدبير الصفقات والبرامج العمومية واختلالات الإنفاق المالي.
ويرى متابعون أن مضامين تقرير المجلس الأعلى للحسابات تعكس بشكل واضح أزمة ثقة متنامية في فعالية السياسات العمومية، خاصة في ظل استمرار عدد من المشاريع المتعثرة، وتراجع جودة الخدمات الأساسية، وتنامي الإحساس لدى المواطنين بوجود فجوة كبيرة بين الشعارات المرفوعة والواقع الميداني.
كما أن الجدل الذي أثاره التقرير أعاد إلى الواجهة النقاش حول مآل مليارات الدراهم التي تُضخ سنوياً في عدد من البرامج والاستراتيجيات القطاعية، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على مؤشرات الصحة والتعليم والتشغيل والخدمات الأساسية، وهو ما يدفع أصواتاً عديدة للمطالبة بمرحلة جديدة عنوانها الصرامة في المحاسبة، وتفعيل آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالنتائج الفعلية لا بالشعارات والتقارير المناسبة.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي خرج بها النقاش البرلماني حول تقرير المجلس الأعلى للحسابات، هي أن المغرب لم يعد في حاجة فقط إلى تشخيص الأعطاب، لأن التقارير الرقابية تقوم بهذا الدور منذ سنوات، بل أصبح في حاجة إلى قرارات جريئة تضع حداً لهدر الزمن التنموي، وتعيد الثقة في المؤسسات، وتضمن أن المال العام يُصرف فعلاً فيما يخدم المواطنين ويقوي المرفق العمومي، لا فيما يغذي أعطاب التدبير وضعف الحكامة.






