اقتصاد

تجويع الداخل لتغذية الخارج.. كيف تحالفت “كومادر” وحكومة أخنوش على سحق القدرة الشرائية للمغاربة؟

لم تعد لغة الأرقام والتبريرات المناخية الجاهزة قادرة على حجب الحقيقة الصادمة التي تعيشها بيوت المغاربة؛ فرغم التساقطات المطرية الوفيرة التي شهدتها البلاد خلال السنة الجارية والتي أحيت الآمال بإنعاش القطاع الفلاحي، إلا أن جيوب الفقراء والطبقة المتوسطة تظل تحترق بنيران أسعار قياسية وغير مسبوقة عصف بجميع المنتجات الزراعية. هذا الغلاء الفاحش والمستمر يطرح تساؤلاً حارقاً حول “الهندسة الطبقية” التي تدار بها الفلاحة المغربية اليوم، ويكشف عن تحالف غير معلن بين سلطة القرار السياسي وجشع “باطرونا” التصدير، الذين يصرون على إغراق الأسواق الأوروبية بأجود خيرات الوطن، وترك المواطن المغربي يواجه فواكه وخضراً بأثمنة حارقة تعجز ميزانيته عن تحملها.

“كومادر” وبنعلي.. نفوذ الظل المقرب من رئيس الحكومة

في قلب هذه المعادلة المختلة، يبرز اسم الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادر – COMADER)، التي يقودها رشيد بنعلي، وهو أحد الأذرع الاستراتيجية والشخصيات المقربة جداً من رئيس الحكومة عزيز أخنوش. هذا التخندق لـ “باطرونا” الفلاحة الكبيرة في مفاصل القرار يفسر الخلفية الحقيقية لسياسة الدعم والتوجيه؛ حيث باتت “كومادر” المستفيد الأول من الصناديق العمومية والامتيازات غير المحدودة لإنجاح مخططات التصدير، و الإستحواذ على الإستيراد، على حساب الأمن الغذائي الداخلي.

إن القرب الشخصي والسياسي بين بنعلي وأخنوش حوّل الوزارة الوصية ورئاسة الحكومة إلى منصة لحماية مصالح كبار المزارعين وأصحاب الضيعات الشاسعة، مع توفير كافة التسهيلات الجمركية واللوجستية لتصدير الفواكه والخضر نحو الخارج “بدون قيود”، في الوقت الذي كان يُفترض فيه فرض الكوابح القانونية لحماية الساكنة المحلية من التضخم.

مفارقة أسواق التصدير والمحلات الكبرى: الفواكه للأغنياء فقط

تعيش الأسر المغربية اليوم مفارقة مبكية؛ فالفواكه المفترض أنها منتجات محلية (من تفاح، وموز، وفواكه موسمية) باتت تُعرض في الأسواق الشعبية بأثمنة خيالية تتراوح بين 20 و25 درهماً للكيلوغرام، بل وتصل في المتاجر الكبرى إلى 30 درهماً تحت ذريعة الجودة العالية المنقاة للتصدير. هذا يعني ببساطة أن الأجراء، وذوي الدخل المحدود، وملايين الفقراء في هذا البلد تم إقصاؤهم رسمياً من قائمة المستهلكين، وتحولت الفواكه في عهد هذه الحكومة إلى “مادة رفاهية” تقتصر على طبقة الأثرياء فقط.

إهانة القدرة الشرائية: إن المشهد الأكثر إيلاماً في مغرب اليوم هو اضطرار العائلات المعوزة والمتوسطة بمدننا إلى الانتظار حتى تصل الفواكه في الأسواق إلى حافة التلف والفساد، لعل وعسى تنخفض أسعارها قليلاً، ليقْتنوها مرغمين في سلوك يضرب كرامة المواطن وحقه الإنساني في التغذية السليمة.

تقهقر القدرة الشرائية.. فشل حكومي تحت غطاء الدعم المباشر

يكشف واقع الغلاء الصاروخي الحالي للأسعار، والذي تمدد ليشمل اللحوم أيضاً، عن التقهقر الحاد الذي أصاب القدرة الشرائية للمواطنين في عهد حكومة أخنوش. فالخطاب الرسمي الذي يتبجح بتقديم الدعم المباشر للأسر الفقيرة يتبخر تأثيره بالكامل في غضون دقائق داخل أسواق الخضر والفواكه؛ إذ يتم استرداد ذلك الدعم بطرق غير مباشرة لصالح كبار المنتجين الذين يحظون في المقابل بدعم مادي حكومي سخي لسقي ضيعاتهم وتحديث معداتهم.

المغاربة اليوم يواجهون حقيقة تدبيرية مرة: الحكومة تدعم الضيعات الكبرى من مال الشعب، والضيعات تُنتج بأمطار الوطن ومياهه الجوفية، ثم تُصدَّر الأرباح والمنتجات ذات الجودة العالية بالعملة الصعبة نحو الخارج، بينما يُترك للمواطن المغربي الفتات وبأثمنة حارقة. إن استمرار هذا التوجه يؤكد أن حماية “باطرونا” الفلاحة وخدمة أجندة “كومادر” مقدمة لدى أصحاب القرار على السلم الاجتماعي والأمن المعيشي للمغاربة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى