قضايا

تاونات.. توقيف مزاد معصرة «أوليا جبلية» يفتح ملف الدعم الأمريكي ومصير أموال الفلاحين وشبهات تضارب المصالح

دخل ملف معصرة مجموعة النفع الاقتصادي «أوليا جبلية» بجماعة بني وليد بإقليم تاونات منعطفاً جديداً، بعدما توقفت عملية بيع منقولاتها بالمزاد العلني، يوم الأربعاء 7 أكتوبر الجاري، عقب إجراءات استعجالية باشرتها المجموعة أمام المحكمة الابتدائية بتاونات، في تطور أعاد إلى الواجهة أسئلة حارقة حول مصير منشأة فلاحية أنشئت لخدمة صغار المنتجين، واستفادت من دعم أمريكي ومغربي ومساهمات مالية للفلاحين، قبل أن تجد نفسها في قلب نزاع انتهى إلى عرض تجهيزاتها للبيع.

ولم يكن الملف مجرد إجراء تجاري عابر بالنسبة إلى الفلاحين والفاعلين المحليين، إذ يتعلق بوحدة صناعية كان يفترض أن تساهم في تثمين إنتاج الزيتون وتحسين مداخيل المنتجين بالمنطقة، وتوفير خدمات عصر الزيتون لفائدة المستفيدين من جماعات بني وليد وبوعادل وتاونات وفناسة باب الحيط وبوهودة، وهو ما جعل إعلان المزاد يثير موجة من الغضب والمطالب بوقف المسطرة القضائية وفتح تحقيق في الظروف التي أوصلت المشروع إلى هذه المرحلة.

تحركات احتجاجية وضغط محلي يسبقان توقيف المزاد

بدأت التحركات المعلنة قبل موعد البيع بأيام، بعدما وجهت لجنة دعم منكوبي فيضانات إقليم تاونات نداءً عاجلاً بتاريخ 2 أكتوبر، أعقبته رسالة إلى مسؤولين مركزيين وجهويين ومحليين بتاريخ 4 أكتوبر، للمطالبة بالتدخل العاجل لحماية المعصرة من التفويت بالمزاد العلني.

وبالتزامن مع ذلك، تحرك منخرطو المجموعة وفلاحون وفعاليات محلية، وعُقد اجتماع استثنائي بمشاركة التعاونيات العضوة، انتهى إلى تجديد المجلس الإداري وإسناد رئاسته إلى المختار الشرادي، مع الاتفاق على الحضور المكثف بمقر المعصرة يوم الأربعاء للاعتراض على عملية البيع.

وتفيد التغطيات الصحفية بأن التعبئة المحلية اتخذت طابعاً احتجاجياً، مع الدعوة إلى الحضور لمنع تنفيذ المزاد، غير أن المعطيات المنشورة لا تحسم وقوع مواجهة ميدانية أو تدخل أمني مباشر لفض احتجاج. والثابت، وفق ما أعلنته الجهات المتابعة للملف، أن عملية البيع توقفت بعد إجراءات استعجالية أمام المحكمة الابتدائية بتاونات، وهو تطور لا ينبغي الخلط بينه وبين صدور حكم نهائي يلغي مسطرة البيع أو يحسم النزاع برمته.

كما سبق للمجلس الإداري للمجموعة أن عقد لقاء مع رئيس المحكمة الابتدائية بتاونات يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، في إطار التحركات الرامية إلى وقف تنفيذ عملية البيع، قبل الإعلان عن توقفها في اليوم الموالي.

مشروع بدعم أمريكي ومغربي.. لماذا انتهى إلى المزاد؟

تكتسي القضية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التمويل الذي استفادت منه المنشأة. فبحسب المعطيات التي أوردتها لجنة دعم منكوبي الفيضانات، والمنشورة في عدد من المنابر الإعلامية، فإن تجهيزات المعصرة ارتبطت بدعم من برنامج تحدي الألفية الأمريكي، إلى جانب مساهمات من القطاع الفلاحي المغربي ومساهمات ذاتية من الفلاحين.

ويقول منخرطون إن القيمة الإجمالية للتجهيزات تجاوزت 700 مليون سنتيم، وإن الوحدة كانت تشكل أداة إنتاج أساسية بالنسبة إلى فلاحي المنطقة، الذين ساهموا في إنشائها أملاً في الاستفادة من خدمات العصر وتحسين شروط تسويق محصول الزيتون.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح لا يتعلق فقط بإمكانية بيع المنقولات لتسوية ديون قائمة، وإنما أيضاً بمدى احترام الغاية الاقتصادية والاجتماعية التي أنشئت المنشأة من أجلها، وكيفية حماية الاستثمارات التي ساهم فيها المال العام والدعم الدولي ومساهمات المنتجين.

وتطالب الأطراف التي تحركت في الملف بافتحاص شامل لحسابات المجموعة وعقود الكراء ومداخيل الاستغلال، فضلاً عن مراجعة تقييم التجهيزات المعروضة للبيع، والاستعانة بخبير متخصص لتحديد قيمتها الحقيقية، مع التحقق من مدى مطابقة لائحة المنقولات المعروضة للبيع للموجودات الأصلية للمعصرة.

ديون وكراء لسنوات.. أين ذهبت المداخيل؟

من بين أبرز النقاط التي تستدعي التحقيق، وفق تصريحات المنخرطين الواردة في التغطيات الصحفية، ظروف كراء المنشأة لشركة خاصة لمدة ست سنوات، في سياق مرتبط بمديونية لفائدة القرض الفلاحي قُدرت بنحو ستة ملايين درهم.

ويطرح هؤلاء أسئلة حول حصيلة الاستغلال خلال فترة الكراء، ومدى مساهمة المداخيل في تسديد الدين، ومصير الأموال المتأتية من النشاط، فضلاً عن الأسباب التي أدت إلى استمرار الأزمة وصولاً إلى عرض تجهيزات المعصرة للبيع.

كما أثار أصحاب المطالب تساؤلات بشأن الثمن الافتتاحي الذي أُعلن عنه، وحددته اللجنة في 540 ألف درهم، معتبرين أنه يستوجب مراجعة مستقلة بالنظر إلى قيمة التجهيزات وطبيعة المشروع. غير أن الفصل في مدى ملاءمة هذا التقييم يقتضي الاطلاع على تقرير الخبرة المعتمد في مسطرة التنفيذ، ولائحة المنقولات المشمولة بالبيع، والوثائق المحاسبية ذات الصلة.

وتكتسب هذه النقاط أهمية إضافية لأن أي اختلال محتمل في تدبير الديون أو مداخيل الاستغلال لا ينبغي أن يبقى موضوع سجال بين الأطراف، بل يتطلب فحصاً موثقاً يحدد المسؤوليات ويضمن حقوق الدائنين والمنخرطين ويحمي المال العام.

شبهات بشأن علاقات المصالح.. مطالب بكشف الحقيقة

ومن أكثر جوانب الملف حساسية ما أثير بشأن احتمال وجود تضارب للمصالح في محيط تدبير المنشأة وكرائها، إذ تضمن بلاغ منشور للجنة دعم منكوبي الفيضانات اتهامات تتعلق بعلاقة قرابة مزعومة بين رئيس الغرفة الفلاحية بالإقليم والمكتري، وربطت اللجنة هذه المسألة بما اعتبرته قصوراً في مواكبة الأزمة.

كما تثير القضية، بالنظر إلى ارتباطها بفاعلين محليين ومؤسسات فلاحية وجماعات ترابية، أسئلة بشأن مدى قيام كل جهة بالمسؤوليات المنوطة بها، وحول ما إذا كانت القرارات المتخذة بشأن كراء المنشأة وتدبير مديونيتها قد خضعت للرقابة اللازمة.

وتذهب بعض المواقف المحلية إلى المطالبة بكشف أدوار المنتخبين والفاعلين السياسيين الذين قد تكون لهم صلات بمسار تدبير المعصرة أو استغلالها. غير أن اتهام سياسيين أو رؤساء جماعات بالوقوف وراء محاولة الاستيلاء على المنشأة لا يمكن تقديمه كحقيقة ثابتة في غياب وثائق أو نتائج تحقيقات تؤيده؛ لذلك تظل الأولوية هي تحديد طبيعة العلاقات والمصالح المحتملة، وفحص العقود والقرارات والعمليات المالية، والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى افتحاص مستقل يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمسار المشروع، ومسؤولية الجهات المشرفة على مواكبته، وظروف الكراء وتراكم المديونية، ومدى احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة لتدبير مجموعة النفع الاقتصادي.

توقيف البيع خطوة أولى.. والملف يحتاج إلى حسم مؤسساتي

إن توقف المزاد العلني يمثل تطوراً مهماً بالنسبة إلى الفلاحين الذين يخشون فقدان أداة إنتاج ساهموا في تمويلها، لكنه لا يعني أن الأزمة انتهت، ولا أن المسؤوليات حُددت بصورة نهائية.

فالملف يحتاج إلى توضيحات رسمية من المصالح الفلاحية والقرض الفلاحي والجهات المعنية بتدبير المجموعة، إلى جانب الاطلاع على الأحكام والوثائق القضائية التي أفضت إلى عرض المنقولات للبيع، والتحقق من الوضعية المالية الحقيقية للمنشأة.

كما أن حماية حقوق الدائنين ينبغي أن تسير بالتوازي مع حماية حقوق المنخرطين وصون الغاية التنموية للمشروع، دون إصدار أحكام مسبقة بشأن أي طرف قبل استكمال التحقق من الوقائع.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية والمطالب الموجهة إلى الجهات الرقابية، تبقى قضية «أوليا جبلية» اختباراً لمدى قدرة المؤسسات المعنية على تقديم أجوبة واضحة بشأن مصير استثمار فلاحي استفاد من دعم دولي وعمومي، وعن أسباب وصوله إلى مرحلة البيع بالمزاد، وما إذا كانت هناك اختلالات في التدبير تستوجب ترتيب المسؤوليات.

فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتوقيف المزاد، بل كشف حقيقة ما جرى، وتحديد مصير مداخيل الاستغلال، والتحقق من المديونية، وضمان ألا يتحمل الفلاحون وحدهم تبعات أزمة لم تتضح بعد جميع تفاصيلها، مع الحفاظ على حقوق كل الأطراف وفق القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى