لعنة المغرب.. حين تمد الرباط يد السلام ويأتي الرد من أزمات الداخل الفرنسي والإسباني والجزائري

هناك لحظات في التاريخ السياسي يصعب فيها تجاهل المفارقات، وما يحدث اليوم في محيط المغرب يفرض واحدة من أكثر هذه المفارقات إثارة للتأمل: المملكة التي ظلت، في محطات كثيرة، تمد يدها للحوار والتعاون وتسوية الخلافات، تجد نفسها أمام دول تنشغل بها سياسياً، بينما تتراكم داخلها أزمات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية لا تجد طريقاً سهلاً إلى الحل.
قد يسمي البعض ذلك مفارقة التاريخ، وقد يسميه آخرون ارتداداً سياسياً، أما في الخطاب الشعبي فيمكن أن يجد تعبيراً أكثر إثارة: «لعنة المغرب».
ليست اللعنة هنا تعبيراً عن قوة غيبية أو عقاب سماوي يمكن إثباته بالأرقام، وإنما استعارة سياسية عن حالة غريبة: كلما تحول المغرب إلى موضوع لصراع سياسي أو أمني أو دبلوماسي، عادت الأسئلة الثقيلة إلى داخل الدول التي تنشغل به، وكأن السياسة الخارجية لا تستطيع أن تحجب إلى الأبد أزمات البيت الداخلي.
ولعل فرنسا هي المثال الأكثر وضوحاً في هذه اللحظة.
فباريس تواجه منذ أسابيع احتجاجات واسعة يقودها تلاميذ المدارس والثانويات، بعدما خرج جيل كامل إلى الشارع مطالباً بتحسين ظروف التعليم، وتوفير المدرسين، وإصلاح البنيات التعليمية. وبحسب أحدث المعطيات، استمرت الاحتجاجات الخميس 8 أكتوبر رغم وعود رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بإجراءات سريعة وتمويلات جديدة، فيما بقيت مئات المؤسسات التعليمية مغلقة أو متضررة من الاحتجاجات.
لكن الصورة أصبحت أكثر إيلاماً بعدما تحولت المواجهات إلى ملف سياسي وأمني بسبب إصابات خطيرة في صفوف قاصرين، من بينها إصابة تلميذ في الخامسة عشرة من عمره أدت إلى فقدانه إحدى يديه، وإصابات أخرى خطيرة، ما دفع وزير الداخلية إلى تعليق استخدام بعض القنابل الصوتية خلال احتجاجات التلاميذ.
وهنا يصبح السؤال أقسى من مجرد سؤال عن التعليم: ماذا يحدث لدولة تقدم نفسها باعتبارها إحدى أعرق الديمقراطيات الأوروبية عندما يصبح القاصر الذي يخرج للمطالبة بإصلاح مدرسته جزءاً من مواجهة أمنية؟
فرنسا لا تحتاج إلى من يتمنى لها السقوط، ولا المغرب مسؤول عن أزمتها التعليمية، لكن المفارقة السياسية تكمن في أن الدولة التي تملك من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية ما يكفي لتكون لاعباً دولياً مؤثراً، تجد نفسها عاجزة عن إقناع تلاميذها بأن المدرسة التي يتعلمون فيها تستحق الثقة.
والأمر لا يتوقف عند فرنسا.
في إسبانيا، انفجرت أزمة السكن في وجه الحكومة، وتحولت قضية اجتماعية إلى أزمة سياسية دفعت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة لانتخابات مبكرة يوم 29 نونبر، بعدما أصبحت كلفة السكن والإيجارات ونقص المساكن محوراً رئيسياً للاحتجاج السياسي والاجتماعي.
وفي مدريد، تصاعدت الاحتجاجات إلى درجة إقامة مخيمات في قلب العاصمة، بينما أصبح ملف السكن أكثر حضوراً في النقاش السياسي من قضايا كانت تهيمن على المشهد خلال الأسابيع السابقة.
وهنا أيضاً لا علاقة للمغرب بأزمة السكن الإسبانية، وهذه حقيقة يجب قولها بوضوح.
لكن ماذا يعني ذلك سياسياً؟
يعني أن المواطن الإسباني الذي لا يستطيع تحمل إيجار منزله لن يجد حلاً لمشكلته في رفع سقف الخطاب تجاه المغرب، وأن الشاب الذي يعيش مع أسرته لأنه عاجز عن شراء أو استئجار مسكن لن يحصل على شقة جديدة بسبب أي مناورة سياسية في سبتة أو مليلية.
بل إن العلاقة بين مدريد والرباط نفسها تكشف المفارقة.
إسبانيا والمغرب يعيشان علاقة مركبة، فيها التعاون الأمني والهجرة والاقتصاد، وفيها أيضاً ملفات خلافية وحساسة، لكن البلدين أظهرا خلال السنوات الماضية قدرة على الحوار والتقارب في ملفات استراتيجية. كما أن مدريد نفسها أكدت في ملفات حديثة أن العلاقة مع المغرب ذات أهمية استراتيجية.
وهنا يمكن طرح السؤال الذي يزعج كثيراً من العواصم: لماذا لا يُنظر دائماً إلى اليد المغربية الممدودة باعتبارها فرصة للتعاون، بدل النظر إليها باعتبارها مناورة يجب مقاومتها؟
المغرب، من جهته، لم يخف رغبته في بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة، وخصوصاً مع أوروبا وإفريقيا، ولم يتوقف عن تقديم نفسه كشريك في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والاستثمار.
لكن السياسة الدولية لا تقوم دائماً على حسن النوايا.
الدول تبحث عن مصالحها، وهذا طبيعي.
المشكلة تبدأ عندما يصبح منطق المصلحة أحادي الاتجاه: نريد من المغرب أن يكون شريكاً عندما نحتاجه في الأمن والهجرة والاستثمار، لكن عندما يتعلق الأمر بمصالحه الاستراتيجية، تتحول الشراكة إلى مساومة والاختلاف إلى أزمة.
وهنا تظهر الجزائر بصورة مختلفة ولكن أكثر حدة.
فالجزائر جعلت من الخصومة مع المغرب أحد المحاور الأكثر حضوراً في سياستها الإقليمية، وهو أمر تناولته تحليلات حديثة رأت أن مواجهة المغرب أصبحت عنصراً مؤسسياً في جزء من السياسة الإقليمية الجزائرية.
لكن المفارقة أن الجزائر نفسها تدخل اليوم مرحلة حساسة من إعادة ترتيب أسئلة السلطة والمؤسسات.
وفاة بوعلام بوعلام، مدير ديوان الرئيس عبد المجيد تبون، أعادت فتح النقاش حول التوازنات داخل النظام الجزائري، خصوصاً أن الرجل كان يشغل موقعاً حساساً داخل الرئاسة.
غير أن الرواية الرسمية الجزائرية واضحة في هذا الملف: بوعلام بوعلام توفي في مستشفى بجنيف بعد مرض طويل، ولذلك لا توجد، وفق ما أمكن التحقق منه، أدلة موثوقة تسمح بالقول إنه اغتيل أو أن فرقة خاصة نفذت عملية بأمر من الفريق أول السعيد شنقريحة.
وهنا بالضبط يجب أن يكون التحليل أقوى من الإشاعة.
لأن السؤال الأكثر أهمية ليس: من قتل بوعلام بوعلام؟
بل: لماذا تعود في الجزائر، عند كل حدث حساس، أسئلة العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية إلى الواجهة؟
ذلك أن قوة الدولة لا تقاس بعدد البيانات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات واضحة ومستقرة، وعلى إدارة اختلافاتها الداخلية دون أن يتحول كل ملف إلى معركة نفوذ.
وهنا يمكن فهم «لعنة المغرب» بالمعنى السياسي الذي يتجاوز الخرافة.
المغرب لا يحتاج إلى أن يسقط خصومه كي يثبت أنه موجود.
يكفيه أن يواصل بناء شراكاته.
يكفيه أن يستقطب الاستثمارات.
يكفيه أن يطور علاقاته الإفريقية.
يكفيه أن يعزز حضوره في ملفات الطاقة والأمن والهجرة.
ويكفيه، قبل كل شيء، أن يترك أبواب الحوار مفتوحة.
فاليد التي تمتد للسلام لا تعني الضعف، واليد التي تمتد للتعاون لا تعني التنازل، والهدوء الدبلوماسي لا يعني غياب القدرة على الدفاع عن المصالح.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تزعج خصوم المغرب.
فالرباط لا تحتاج إلى الصراخ كي تكون حاضرة.
ولا تحتاج إلى تحويل كل خلاف إلى قطيعة.
ولا تحتاج إلى صناعة عدو يومي لتبرير سياستها الخارجية.
في المقابل، عندما تتحول دولة ما إلى أسير لخطاب الخصومة، فإنها قد تجد نفسها تستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها السياسية في معارك خارجية بينما تزداد الأسئلة داخل حدودها.
وهذا ما يجعل المشهد الفرنسي والإسباني والجزائري مثيراً للتأمل، لا لأن المغرب تسبب في أزمات هذه الدول، فهذا استنتاج لا دليل عليه، ولكن لأن الأحداث تكشف أن الأزمات الداخلية أقوى من قدرة أي حكومة على إخفائها خلف خطاب خارجي.
فرنسا لن تحل أزمة مدارسها بالحديث عن المغرب.
إسبانيا لن تحل أزمة السكن بالحديث عن المغرب.
والجزائر لن تحل أسئلة توازن السلطة بمجرد رفع مستوى الخصومة مع الرباط.
هذه هي «اللعنة» الحقيقية، إذا جاز استعمال التعبير: أن يتحول الخصم الخارجي إلى هاجس سياسي دائم، ثم تكتشف الدولة أن المشاكل التي تهدد استقرارها الحقيقي كانت موجودة داخل البيت منذ البداية.
أما المغرب، فإن أفضل رد على كل ذلك ليس الشماتة في أزمات الآخرين، وإنما الاستمرار في سياسته القائمة على المصالح والتعاون والحوار، مع الدفاع الصريح عن مصالحه الوطنية.
فالدول لا تنتصر لأن جيرانها يتعثرون.
الدول تنتصر عندما تكون قادرة على بناء نفسها بينما ينشغل الآخرون بها.
وربما لهذا تبدو صورة المغرب اليوم أكثر إثارة: بينما يمد يده للحوار، تتغير خرائط المصالح من حوله؛ وبينما يفتح أبواب التعاون، يجد بعض خصومه أنفسهم أمام أبواب داخلية مغلقة.
ليست لعنة بالمعنى الغيبي.
إنها، ببساطة، لعنة الحسابات الخاطئة عندما يُبالغ السياسي في الانشغال بالجار وينسى أن أخطر الملفات تنتظره في الداخل.






