اقتصاد

سوق الذهب تحت التحقيق.. قطاع غامض يضع المنافسة والشفافية أمام اختبار جديد

فتح مجلس المنافسة ملفاً جديداً من الملفات الاقتصادية الحساسة، بعدما كشف رئيسه أحمد رحو أن قطاع الذهب والمجوهرات يوجد حالياً تحت التحقيق والدراسة التفصيلية، في خطوة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة هذا السوق وحساسيته بالنسبة للمستهلكين والمهنيين والاقتصاد غير المهيكل.

المعلومة التي كشف عنها رحو يوم 7 أكتوبر لا تعني وجود مخالفات مثبتة، لكنها تعني أن المجلس رأى أن القطاع يستحق دراسة معمقة، وأن النتائج النهائية للتحقيق هي التي ستحدد طبيعة الاختلالات، إن وجدت، وتفسر بنيته ومستويات المنافسة داخله.

وتكمن أهمية الملف في أن سوق الذهب لا يرتبط فقط بسعر المعدن الخام، وإنما يدخل فيه عدد من العناصر الأخرى، من بينها التصنيع، والمصنعية، والهوامش التجارية، والاستيراد، والضرائب، وحركة الأسعار الدولية، إضافة إلى اختلاف المعايير بين منتج وآخر.

ولهذا فإن أي دراسة جدية للسوق يفترض أن تبحث في السلسلة كاملة، من مصدر الذهب إلى المستهلك النهائي، لا أن تكتفي بمراقبة الأسعار المعروضة في واجهات المحلات.

ويكتسب التحقيق أهمية أكبر بسبب حساسية الذهب لدى الأسر المغربية، سواء باعتباره مادة للزينة أو وسيلة للادخار، ما يجعل أي خلل في الشفافية أو المنافسة قادراً على التأثير في قرارات عدد واسع من المواطنين.

لكن الخطأ سيكون في استباق نتائج التحقيق وإصدار أحكام على المهنيين أو الفاعلين قبل انتهاء عمل المؤسسة المختصة.

المطلوب الآن هو العكس تماماً: ترك التحقيق يأخذ مساره، ثم نشر نتائجه للرأي العام بلغة واضحة، حتى يعرف المستهلك كيف يتشكل السعر، وأين تتوزع الهوامش، وما إذا كانت هناك ممارسات تحتاج إلى تدخل تنظيمي أو تنافسي.

ويأتي هذا الملف في وقت يواصل فيه مجلس المنافسة أيضاً تتبع سوق المحروقات وإصدار تقارير دورية حول الأسعار وهوامش الربحية.

وهذا يعكس اتساع النقاش حول دور المؤسسات الرقابية في حماية المنافسة، خصوصاً في الأسواق التي يكون فيها المستهلك أقل قدرة على معرفة التكلفة الحقيقية للمنتج.

لكن الرقابة لا تصبح فعالة فقط بمجرد فتح التحقيقات، وإنما عندما تنتقل نتائجها إلى قرارات وسياسات واضحة، وعندما يشعر المواطن بأن المؤسسة التي تراقب السوق قادرة على كشف الاختلالات وتقديم توصيات قابلة للتنفيذ.

وسوق الذهب يحتاج تحديداً إلى هذا النوع من الشفافية، لأن غياب المعلومة يفتح الباب أمام الإشاعات ويجعل المواطن عاجزاً عن التمييز بين تغير طبيعي في الأسعار وبين ارتفاعات قد تكون مرتبطة بعوامل أخرى.

ومن هنا فإن التحقيق الحالي يحمل أهمية تتجاوز قطاع الذهب نفسه، لأنه يضع نموذجاً لاختبار قدرة المؤسسات المغربية على الاقتراب من الأسواق الحساسة، وفهم طريقة اشتغالها، ثم تحويل نتائج البحث إلى قواعد أكثر وضوحاً وعدالة.

والرهان في النهاية ليس معاقبة قطاع بأكمله، وإنما معرفة أين توجد الاختلالات، إن وجدت، ومن يتحمل مسؤوليتها، وكيف يمكن جعل سوق الذهب أكثر شفافية ومنافسة وحماية للمستهلك والمهني في الوقت نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى