ثقافة

جماعة فاس تحت المجهر.. جدل الدعم الثقافي يعيد أسئلة الحكامة وأولويات المدينة

أعادت دورة أكتوبر لمجلس جماعة فاس النقاش حول طريقة تدبير عدد من الملفات المحلية، بعدما تحولت نقطة مرتبطة باتفاقية شراكة مع جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية، إلى مناسبة لطرح أسئلة تتجاوز قيمة الدعم المخصص للتظاهرة، لتصل إلى صميم الحكامة المحلية وترتيب الأولويات داخل واحدة من أكبر مدن جهة فاس مكناس.

وتتعلق الاتفاقية، وفق المعطيات التي تم تداولها بشأن الدورة، بتخصيص دعم مالي لفائدة جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية بقيمة 100 مليون سنتيم، وهو مبلغ أعاد إلى الواجهة النقاش حول المعايير التي ينبغي أن تحكم علاقة الجماعة بالجمعيات والفعاليات الثقافية، ومدى وضوح الأولويات في توزيع الموارد العمومية.

ولا يتعلق الأمر هنا بمناقشة أهمية الثقافة أو قيمة مهرجان فاس للثقافة الصوفية، باعتباره من التظاهرات التي ساهمت في تعزيز الحضور الثقافي للمدينة، وإنما بالسؤال الأكثر جوهرية: هل تمتلك الجماعة رؤية واضحة ومعلنة لتدبير الدعم الثقافي، وهل يتم ربط الأموال العمومية بنتائج وأهداف قابلة للقياس، أم أن الأمر يظل في كثير من الأحيان مرتبطاً باتفاقيات منفصلة تحتاج إلى نقاش أوسع حول السياسة الثقافية للمدينة؟

هذا السؤال اكتسب أهمية أكبر بعد إعادة الملف إلى المصالح المالية من أجل مزيد من الدراسة، وهو ما يعكس، في حد ذاته، الحاجة إلى تدقيق الملفات التي ترتبط بالتزامات مالية على الجماعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وفي موازاة ذلك، شهدت دورة أكتوبر نقاشات سياسية بين مكونات المجلس حول طريقة تدبير الدورة وجدول أعمالها وعدد من الملفات المعروضة أمام المنتخبين، بما في ذلك ما يتعلق بالشراكات والدعم، وهو نقاش يكشف أن الخلاف داخل المجلس لم يعد محصوراً في التفاصيل التقنية، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة أوسع بطريقة اتخاذ القرار المحلي.

ومن منظور نقدي، فإن الإشكال الذي تواجهه جماعة فاس لا يكمن فقط في وجود خلافات بين الأغلبية والمعارضة، فهذا أمر طبيعي داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما في ضرورة أن تتحول هذه الخلافات إلى نقاش حقيقي حول النتائج التي تنتظرها الساكنة من المجلس.

فالمواطن الفاسي لا يتعامل مع الجماعة باعتبارها مؤسسة تناقش الاتفاقيات فقط، وإنما باعتبارها الجهة المسؤولة عن مجموعة واسعة من الخدمات اليومية التي تؤثر مباشرة في حياته، من النظافة والإنارة والطرق والتهيئة إلى صيانة الفضاءات العمومية وتنظيم عدد من الأنشطة والمرافق.

ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال الأولويات: هل تستفيد المدينة بالقدر الكافي من الإمكانيات المتاحة لها؟ وهل توجد علاقة واضحة بين البرامج التي تصادق عليها الجماعة وبين المشاكل التي يعيشها السكان في الأحياء؟ وهل يتم تقييم أثر الاتفاقيات والشراكات بعد تنفيذها، أم أن المصادقة عليها تمثل في حد ذاتها نهاية المسار؟

كما أن النقاش حول الدعم الثقافي ينبغي ألا يتحول إلى مواجهة بين الثقافة وباقي الخدمات، لأن مدينة بحجم فاس تحتاج بالفعل إلى سياسة ثقافية قوية، لكن هذه السياسة يفترض أن تكون واضحة ومتكاملة، وأن تحدد أهدافها ومؤشرات نجاحها، وأن تضمن استفادة المدينة وساكنتها من العائد الثقافي والاقتصادي والسياحي للتظاهرات المدعومة من المال العمومي.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل المكانة التي تتمتع بها فاس على المستوى الوطني والدولي، وفي ظل الأوراش الكبرى التي تعرفها المدينة والرهانات المرتبطة بتعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية والاستثمارية. فكل درهم من المال العام يفترض أن تكون له قيمة مضافة واضحة، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو الثقافة أو الرياضة أو الخدمات الاجتماعية.

أما على مستوى تدبير المجلس، فإن استمرار النقاشات الحادة حول طريقة إعداد جدول الأعمال وانطلاق الدورات وتدبير بعض الملفات يفرض بدوره سؤالاً حول فعالية العمل المؤسساتي داخل الجماعة، وحول قدرة مختلف المكونات على تجاوز الحسابات السياسية اليومية والانخراط في نقاش أكثر ارتباطاً بالبرامج والنتائج.

فالخلاف السياسي داخل المجلس ليس مشكلة في حد ذاته، بل يمكن أن يكون عنصراً إيجابياً إذا أدى إلى مراقبة أقوى وتدقيق أكبر في القرارات، غير أن قيمته الحقيقية تظهر عندما ينتقل من تبادل المواقف إلى تقديم بدائل واقتراح حلول ومساءلة المسؤولين على أساس أرقام ومعطيات ونتائج.

وفي المقابل، فإن الأغلبية مطالبة بتقديم المعطيات الكافية للرأي العام حول الاتفاقيات التي تبرمها، وحجم الموارد المرصودة لها، والأهداف المنتظرة منها، والنتائج التي تحققت بعد تنفيذها، لأن الشفافية في تدبير المال العمومي لا ينبغي أن تكون مرتبطة فقط بمرحلة التصويت على الاتفاقيات، وإنما يجب أن تشمل دورة المشروع كاملة.

وتحتاج فاس اليوم إلى نقاش جماعي هادئ حول أولوياتها، بعيداً عن تحويل كل نقطة في دورات المجلس إلى مناسبة للصراع السياسي. فالمدينة تواجه تحديات متعددة، من جودة الخدمات إلى تأهيل الأحياء وتحسين المرافق والارتقاء بالمشهد الحضري وتعزيز جاذبيتها الثقافية والسياحية.

وبالتالي فإن قضية الدعم الثقافي التي طفت على سطح دورة أكتوبر يمكن أن تكون فرصة لإعادة طرح سؤال أكبر: أي نموذج للتدبير الجماعي تريده فاس، وكيف يمكن تحويل الإمكانيات المالية والشراكات والقرارات التي يصادق عليها المجلس إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟

ذلك أن الحكامة المحلية لا تقاس بعدد الاتفاقيات المصادق عليها، ولا بعدد الاجتماعات والدورات، وإنما بقدرة المؤسسة المنتخبة على تحديد الأولويات، وتبرير اختياراتها، وضمان الشفافية، ومراقبة النتائج، ثم تقديم الحساب أمام الساكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى