المحروقات تتجاوز عتبة 16 درهماً.. الحكومة المقبلة أمام اختبار القدرة الشرائية واللوبيات والسوق

لم تعد أسعار المحروقات في المغرب مجرد قضية اقتصادية دورية ترتبط بتقلبات الأسواق الدولية، وإنما تحولت إلى واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للقدرة الشرائية، خصوصاً بعدما تجاوز سعر الغازوال عتبة 16 درهماً للتر مع بداية أكتوبر، في وقت يستمر فيه النقاش حول هوامش الربح وحقيقة انعكاس الأسعار الدولية على السوق المغربية.
وجاء المستجد الأكثر أهمية من رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، الذي أكد أن المجلس يواصل مراقبة سوق المحروقات من خلال تقارير دورية، مشيراً إلى أن التقرير المتعلق بمعطيات يونيو وتطور الأسعار وطنياً ودولياً سيصدر خلال الأيام المقبلة.
لكن رحو وضع في الوقت نفسه حداً لجدل آخر، موضحاً أن تسقيف أسعار الوقود ليس من اختصاص مجلس المنافسة، وإنما يعود إلى الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية التي يمكنها المبادرة بهذا الإجراء وطلب رأي المجلس عند الاقتضاء.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها.
ففي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن جهة قادرة على التدخل عندما ترتفع الأسعار، تتوزع المسؤوليات بين السوق والمستوردين والموزعين والضرائب والحكومة ومؤسسات المنافسة، بينما يبقى المستهلك في نهاية السلسلة أمام السعر النهائي.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن أسعار المحروقات عرفت موجة صعود منذ منتصف يوليوز، قبل الزيادة الجديدة التي دخلت حيز التطبيق في فاتح أكتوبر.
ولا يمكن اختزال القضية في سؤال واحد حول ما إذا كانت الأسعار العالمية مرتفعة أم منخفضة، لأن النقاش الحقيقي يتعلق بكيفية انتقال تلك الأسعار إلى السوق الوطنية، وبمستوى الهوامش والتكاليف والضرائب، وبمدى فعالية المنافسة بين الفاعلين.
وهذا بالضبط ما يجعل تقرير مجلس المنافسة المنتظر مهماً، لأنه يمكن أن يساهم في تقديم صورة أكثر وضوحاً عن تطور الأسعار وهوامش الربح، بدل ترك النقاش أسيراً للتقديرات المتضاربة.
كما أن الملف سيضع الحكومة المقبلة أمام قرار سياسي صعب: هل تكتفي بآليات السوق والمراقبة، أم تتدخل عندما ترى أن الأسعار أصبحت تشكل ضغطاً غير مقبول على الأسر والمقاولات والنقل؟
المشكلة أن ارتفاع المحروقات لا يبقى داخل محطة الوقود، بل ينتقل تدريجياً إلى كلفة النقل والخدمات والسلع، وبالتالي فإن تأثيره الاقتصادي يتجاوز صاحب السيارة إلى المستهلك الذي لا يملك سيارة أصلاً.
ولهذا فإن الحديث عن المحروقات يجب ألا يبقى مجرد سجال سياسي كلما ارتفع السعر، بل يحتاج إلى شفافية أكبر حول بنية السعر وهوامش الربح وتطور التكلفة، وإلى نشر المعطيات التي تسمح للمواطن بفهم ما يدفعه ولماذا يدفعه.
وبين صلاحيات مجلس المنافسة وصلاحيات الحكومة، يبقى السؤال السياسي واضحاً: متى تتحول مراقبة السوق إلى قرارات ملموسة تحمي القدرة الشرائية؟
هذا هو الامتحان الحقيقي للحكومة المقبلة، لأن المواطن لا يشتري التقارير، وإنما يشتري الوقود بسعر محدد، ويشعر مباشرة بكل زيادة في جيبه.






