برشلونة يرفض تسييس الملاعب.. وقضية سبتة تفرض على الإسبان الهدوء والوعي والحكامة

أعاد نادي برشلونة النقاش حول حدود العلاقة بين الرياضة والقضايا ذات الحساسية السياسية والرمزية إلى واجهة المشهد الإسباني، بعدما اختار عدم المشاركة في المبادرة التي شهدتها عدد من مباريات الدوري الإسباني، والتي ظهر خلالها اللاعبون بقمصان تحمل عبارة تضامن مع مدينة سبتة.
وكان برشلونة قد رفض ارتداء القميص خلال مواجهته أمام ليفانتي، في خطوة اتخذها النادي على مستوى المؤسسة، في وقت شاركت أندية أخرى في المبادرة، من بينها ليفانتي وفياريال وريال بيتيس وإلتشي وريال مدريد. وتؤكد المعطيات المنشورة في وسائل إعلام إسبانية أن برشلونة اختار عدم الانخراط في المبادرة خلال مبارياته التي طُرحت فيها، من دون أن يعلن النادي في تصريح رسمي أن قراره جاء باعتباره موقفاً سياسياً.
وفي المقابل، حملت مباراة إلتشي وريال مدريد، الثلاثاء، مشهداً أكثر تعقيداً، بعدما دخل لاعبو الفريقين إلى أرضية الملعب بقمصان تحمل عبارة التضامن مع سبتة، بينما اختار ثلاثة من لاعبي ريال مدريد، وهم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي، عدم إظهار العبارة كاملة. ووفق ما أوردته صحيفة «إل باييس»، فإن موقف اللاعبين فُهم داخل النادي باعتباره مرتبطاً بحساسيات شخصية، في وقت كان فيه ريال مدريد قد قبل المبادرة على مستوى المؤسسة.
وبحسب ما أوردته مصادر إعلامية إسبانية، فإن مبابي وفينيسيوس وضعا القميص بطريقة حجبت الرسالة، قبل أن يخلعاه، بينما حمل كوناتي القميص دون إظهار الشعار كاملاً. وهو ما جعل المشهد يتجاوز حدود الصورة الرياضية المعتادة، وفتح نقاشاً واسعاً حول حق اللاعبين في اتخاذ مواقف شخصية، وحول حدود الرسائل التي يمكن للأندية أن تحملها إلى الملاعب.
القضية لا تتعلق في جوهرها بقميص رياضي فقط، لأن عبارة التضامن مع سبتة تأتي في سياق شديد الحساسية، بالنظر إلى موقع المدينة وطبيعة العلاقات الإسبانية المغربية، فضلاً عن تداعيات الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الصيف. ولهذا السبب تحديداً، اكتسبت المبادرة بعداً يتجاوز المجال الرياضي، وأصبحت موضوعاً للنقاش الإعلامي والسياسي والاجتماعي في إسبانيا.
وهنا تبرز أهمية موقف برشلونة، ليس باعتباره موقفاً ينبغي تحويله إلى مواجهة سياسية، وإنما باعتباره مثالاً على إمكانية ترك الرياضة في فضائها الطبيعي، بعيداً عن تحميل اللاعبين والأندية رسائل قد تكون لها تأويلات سياسية أو جيوسياسية مختلفة.
فالملعب، في النهاية، فضاء للمنافسة الرياضية، واللاعب لاعب كرة قدم قبل أن يكون طرفاً في نقاشات سياسية أو دبلوماسية. كما أن اختلاف المواقف بين المؤسسات الرياضية واللاعبين لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للضغط أو التخوين أو حملات التشهير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلاعبين ينتمون إلى خلفيات وجنسيات وثقافات مختلفة.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الإسباني الرسمي والإعلامي والسياسي يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والوعي والحكامة في التعامل مع هذه الملفات. فالقضايا المرتبطة بسبتة والعلاقات مع المغرب شديدة الحساسية، وأي رسالة صادرة من ملعب لكرة القدم يمكن أن تتجاوز حدود الرياضة وتتحول سريعاً إلى مادة للتأويل السياسي، وهو ما يفرض على الفاعلين الإسبان تقدير آثار مثل هذه المبادرات قبل تعميمها على الأندية واللاعبين.
كما أن تحويل الرياضة إلى منصة لتصفية الحسابات أو التعبير عن مواقف مرتبطة بملفات سياسية شائكة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، خصوصاً في ظل وجود لاعبين من أصول وجنسيات متعددة داخل الأندية الإسبانية. وقد ظهر ذلك بوضوح بعد مشاركة اللاعب المغربي عبدالصمد الزلزولي، لاعب ريال بيتيس والمنتخب المغربي، في إحدى المبادرات، حيث تعرض لانتقادات وتهديدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يؤكد أن مشاركته لم تكن تستهدف المغرب، وأنه ينظر إلى الرسالة باعتبارها تضامناً مع سكان سبتة. كما دعمه ناديه والدوري الإسباني في مواجهة تلك التهديدات.
وتكشف هذه الواقعة أن إدخال قضايا سياسية ورمزية شديدة الحساسية إلى الملاعب قد يضع اللاعبين أمام ضغوط لا علاقة لها بالأداء الرياضي، وقد يحول مباراة لكرة القدم إلى ساحة لتبادل الاتهامات والرسائل السياسية، وهو ما لا يخدم الرياضة ولا العلاقات بين الشعوب.
وفي المقابل، فإن احترام قرار برشلونة بعدم المشاركة، واحترام اختيارات اللاعبين الذين لم يرغبوا في إظهار الرسالة كاملة، يمثلان جزءاً من النقاش الطبيعي داخل الرياضة الحديثة. فكما يحق لنادٍ المشاركة في مبادرة تضامنية، من حيث المبدأ، يحق لمؤسسة رياضية أو لاعب عدم المشاركة فيها، ما دام الأمر يتم في إطار قانوني ومن دون إساءة أو تحريض.
والأهم في المرحلة الحالية هو ألا تتحول قضية القميص إلى أزمة جديدة تتجاوز حجمها الرياضي. فالعلاقات الإسبانية المغربية أكبر من أن تختزل في صورة لاعب يحمل قميصاً أو نادٍ يرفض ارتداءه، كما أن ملفات الهجرة والأمن والحدود والعلاقات بين البلدين تحتاج إلى معالجة مؤسساتية هادئة ومسؤولة، بعيداً عن الانفعالات التي قد تنتجها مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض القراءات الإعلامية المتسرعة.
إن الحكامة الحقيقية تقتضي التمييز بين التضامن الإنساني المشروع وبين الرسائل التي يمكن أن تحمل أبعاداً سياسية، كما تقتضي عدم وضع اللاعبين والأندية أمام اختبارات سياسية لا تدخل بالضرورة ضمن اختصاصهم.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى قرار برشلونة باعتباره تذكيراً بأن للأندية الرياضية الحق في تحديد مشاركتها في المبادرات العامة، وأن الاختلاف في المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع أو خصومة سياسية.
أما بالنسبة إلى الإسبان وساستهم ووسائل إعلامهم، فإن المرحلة تتطلب قدراً أكبر من الهدوء والوعي والحكمة في التعاطي مع القضايا المرتبطة بالمغرب وسبتة، لأن أي تصعيد لفظي أو توظيف سياسي للرياضة قد يوسع دائرة التوتر بدل أن يساهم في تهدئة الأوضاع.
فالرياضة تستطيع أن تكون جسراً للتقارب والتعايش، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مساحة للتوتر إذا جرى تحميلها رسائل سياسية تفوق وظيفتها. وبين هذين الخيارين، تبقى الحكامة والوعي واحترام الاختلاف عناصر أساسية للحفاظ على الملاعب كفضاء للمنافسة، وعلى العلاقات بين الشعوب بعيداً عن الانفعال والاستقطاب.






