استهداف الأحرار يصل إلى الهاكا.. والحزب يختار المؤسسات في مواجهة التشهير والتهديد

اختار حزب التجمع الوطني للأحرار اللجوء إلى المؤسسات المختصة في مواجهة تصريحات صدرت عن منشط برنامج رياضي بإحدى الإذاعات الخاصة، بعدما اعتبر الحزب أن مضمونها تجاوز حدود النقد الإعلامي المشروع ودخل، بحسب ما ورد في شكايته، في نطاق إيحاءات اعتبرها ذات صلة بالتهديد والعنف.
ووضع الحزب شكاية لدى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بشأن تصريحات صدرت يوم الاثنين 14 شتنبر 2026، أي في خضم الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، وهي فترة تخضع فيها وسائل الاتصال السمعي البصري لقواعد خاصة مرتبطة بالتعددية السياسية والمسؤولية المهنية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يشهد احتداماً في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث يتحدث التجمع الوطني للأحرار عن تعرضه، خلال الحملة الانتخابية، لما يعتبره حملات استهداف وتشويه وضغوط تتجاوز في بعض الحالات حدود المنافسة السياسية والنقد المشروع.
ويضع الحزب هذه الواقعة ضمن ما يعتبره تنامياً لخطابات التشهير والضغط ومحاولات التأثير على صورته خلال الاستحقاقات الحالية، معتبراً أن المنافسة الانتخابية ينبغي أن تقوم أساساً على البرامج والحصيلة والمواقف، وليس على الاستهداف الشخصي أو الخطابات التي يمكن أن تحمل إيحاءات بالتهديد.
وفي المقابل، اختار رئيس الحزب محمد شوكي، وفق الصورة التي يقدمها الحزب عن تدبيره لهذه المرحلة، اعتماد خطاب سياسي هادئ والاحتكام إلى المؤسسات، بعيداً عن تحويل كل انتقاد أو خلاف إلى مواجهة شخصية أو سجال مفتوح.
وقد ظهر شوكي خلال الحملة الانتخابية في عدد من المحطات التواصلية مدافعاً عن اختيارات حزبه وعن حصيلة الحكومة، كما تحدث عن الهجمات التي تعرض لها رئيس الحكومة عزيز أخنوش والحزب، مؤكداً أن التجمع الوطني للأحرار سيواصل مساره وبرنامجه بدل الانجرار إلى ما وصفه بالأساليب البعيدة عن السياسة.
ويعكس هذا التوجه، في قراءة الحزب، محاولة للحفاظ على النقاش السياسي داخل المؤسسات، في وقت أصبحت فيه الحملات الانتخابية تعرف حضوراً متزايداً للمحتوى الرقمي والحملات الإعلامية والتعليقات الشخصية، بما يجعل الحدود بين النقد السياسي والتشهير أكثر حساسية.
وتكتسي الشكاية أهمية إضافية لأن التصريحات موضوعها صدرت عن منشط البرنامج نفسه، وليس عن ضيف أو متدخل خارجي، بحسب ما أورده الحزب، وهو ما دفعه إلى إثارة مسألة المسؤولية المهنية لمن يتولى تنشيط البرامج خلال فترة انتخابية.
ويرى التجمع الوطني للأحرار أن حرية الصحافة والتعبير وحق الإعلاميين في انتقاد الأحزاب والمرشحين تظل حقوقاً أساسية، لكنه يعتبر في المقابل أن هذه الحرية لا تعني إعفاء وسائل الإعلام ومنشطي البرامج من قواعد المسؤولية المهنية، ولا تبرر، بحسب تقديره، أي خطاب يتضمن تهديداً أو تحريضاً على العنف أو إهانة لفاعل سياسي.
ويستند الحزب في شكايته إلى قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-50 الصادر في 16 يونيو 2026، والمتعلق بضمان تعددية التعبير السياسي في خدمات الاتصال السمعي البصري خلال الانتخابات التشريعية العامة لسنة 2026.
وتضع هذه الواقعة من جديد مسألة تخليق الحياة السياسية والإعلامية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية التي يفترض أن تشكل مناسبة لعرض البرامج ومناقشة الحصيلة وتقديم البدائل أمام المواطنين.
فحين تتحول المنافسة السياسية من مواجهة بين الأفكار والبرامج إلى تبادل للاتهامات الشخصية وحملات التشهير والضغط، فإن النقاش العمومي يفقد جزءاً من وظيفته الأساسية، ويصبح من الصعب على الناخب التمييز بين النقد السياسي المبني على الوقائع وبين الخطابات التي تستهدف الأشخاص أو الأحزاب.
كما أن الحديث عن الابتزاز، متى كان محل ادعاء، لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي أو حكم مسبق على أي طرف، وإنما يجب أن يخضع للتحقق المؤسساتي والقضائي، لأن خطورة مثل هذه الادعاءات تقتضي الأدلة والمساطر القانونية، وليس التراشق الإعلامي.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار حزب التجمع الوطني للأحرار اللجوء إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بدلاً من الاكتفاء بالرد الإعلامي، يضع القضية أمام المؤسسة المكلفة قانونياً بالنظر في احترام قواعد الاتصال السمعي البصري والتعددية السياسية خلال الفترة الانتخابية. وقد أكدت الهيئة نفسها أن دورها خلال الانتخابات يرتبط بضمان التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر في الإذاعات والقنوات التلفزية.
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه المؤسسات المعنية إلى تشديد الانتباه إلى قواعد التغطية الإعلامية للانتخابات، بما يجعل مسؤولية الإعلام أكبر في توفير نقاش متوازن يسمح بمساءلة الأحزاب والمرشحين دون الانزلاق إلى التشهير أو التحريض أو المساس بالكرامة الشخصية.
وفي الجانب السياسي، يواصل محمد شوكي تقديم نفسه داخل الحزب باعتباره مسؤولاً يركز على التواصل والعمل الميداني والدفاع عن البرنامج والحصيلة، مع التأكيد على الاحتكام إلى القانون والمؤسسات في مواجهة ما يعتبره الحزب استهدافاً.
وكان شوكي قد قال خلال محطة تواصلية يوم 14 شتنبر إن حزب التجمع الوطني للأحرار سيواصل مساره وبرنامجه رغم ما وصفه بأساليب بعيدة عن السياسة، في إشارة إلى ما يعتبره الحزب حملات استهداف تعرض لها خلال المرحلة الأخيرة.
ولا يتعلق النقاش هنا بالدفاع عن حزب في مواجهة خصومه بقدر ما يتعلق بسؤال أوسع حول طبيعة الممارسة السياسية والإعلامية في فترة انتخابية يفترض أن تكون فيها قواعد المنافسة واضحة، وأن يكون الاحتكام النهائي إلى المؤسسات والقانون وصناديق الاقتراع.
فالمنافس السياسي من حقه أن ينتقد الحزب والحكومة والقيادات والبرامج، ومن حق وسائل الإعلام أن تطرح الأسئلة الصعبة وأن تمارس النقد والمساءلة، لكن تخليق الحياة السياسية يقتضي في المقابل أن يبقى هذا الاختلاف داخل حدود المسؤولية، وأن تكون الوقائع والأرقام والبرامج هي مادة الصراع السياسي الأساسية.
أما التشهير والتهديد والابتزاز، إذا ثبتت ممارستها في أي حالة، فإنها لا تخدم التعددية ولا المنافسة الديمقراطية، بل تضعف الثقة في الحياة السياسية وتحوّل الانتخابات من مجال للتنافس حول السياسات العمومية إلى مجال للصراع الشخصي.
ومن هنا تبرز أهمية أن تظل المؤسسات، وليس حملات التشهير أو الردود الانفعالية، هي الطريق الطبيعي لمعالجة مثل هذه الوقائع. فالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تملك صلاحياتها في المجال السمعي البصري، بينما يبقى القضاء الجهة المختصة بالنظر في الأفعال التي قد تتجاوز المجال الإعلامي إلى مخالفات أو جرائم يعاقب عليها القانون.
وبانتظار ما ستسفر عنه دراسة الشكاية، تضع هذه الواقعة قضية تخليق الحياة السياسية والإعلامية في صلب النقاش الانتخابي، وتعيد التأكيد على أن قوة المنافسة الديمقراطية لا تقاس بحدة الهجوم على الخصوم، وإنما بقدرة مختلف الأطراف على الدفاع عن برامجها ومواقفها واحترام حق الآخرين في الاختلاف.
وفي نهاية المطاف، تبقى الانتخابات مناسبة للتنافس السياسي المشروع، بينما يظل القانون والمؤسسات الضامن الأساسي لمنع تحول الخلاف السياسي إلى تشهير أو تهديد أو ابتزاز، ولضمان أن تبقى الحملة الانتخابية مجالاً للنقاش العمومي المسؤول، بعيداً عن كل الممارسات التي يمكن أن تسيء إلى صورة الحياة السياسية ومصداقيتها.






