قمة نيروبي تكرّس التحول الإفريقي نحو الواقعية.. المغرب يعزز حضوره الدبلوماسي وماكرون يشيد بإصلاحات جلالة الملك محمد السادس

شهدت قمة “إفريقيا إلى الأمام” المنعقدة بالعاصمة الكينية نيروبي تطوراً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً، بعدما غابت جبهة “البوليساريو” الانفصالية بشكل كامل عن هذا الموعد الإفريقي – الدولي الرفيع، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشراً جديداً على التحولات العميقة التي تعرفها مواقف عدد من العواصم الإفريقية والدولية تجاه ملف الصحراء المغربية.
القمة التي ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس الكيني ويليام روتو، عرفت مشاركة واسعة لنحو ثلاثين رئيس دولة وحكومة إفريقية، إضافة إلى مؤسسات مالية دولية وفاعلين اقتصاديين، في حدث أرادت من خلاله باريس إعادة صياغة علاقتها بالقارة الإفريقية على أساس الاستثمار والشراكة الاقتصادية بدل المقاربات التقليدية القديمة.
وفي خضم هذا الحضور الإفريقي المكثف، برز المغرب كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين الذين باتوا يفرضون أنفسهم داخل معادلة الاستقرار والتنمية بالقارة، خاصة بعد النجاحات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها المملكة خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة الملك محمد السادس، سواء على مستوى توسيع الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء أو عبر بناء شراكات اقتصادية وتنموية متقدمة مع عدد من الدول الإفريقية.
وبحسب متابعين للشأن الإفريقي، فإن إقصاء جبهة “البوليساريو” من قمة نيروبي لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي أو تنظيمي، بل حمل رسائل سياسية واضحة تعكس تراجع الأطروحة الانفصالية داخل المنتديات الدولية الجادة، خاصة في ظل إصرار الجهات المنظمة على حصر المشاركة في الدول ذات السيادة المعترف بها داخل الأمم المتحدة، وفي الفاعلين الحقيقيين القادرين على الإسهام في مشاريع التنمية والاستثمار داخل القارة.
كما اعتُبر هذا المعطى ضربة دبلوماسية جديدة للنظام الجزائري، الذي حاول، وفق تقارير ومتابعين، الدفع نحو حضور الجبهة الانفصالية داخل هذا المحفل القاري، غير أن التوجه الجديد الذي بدأت تتبناه عواصم إفريقية مؤثرة بات يقوم على دعم الاستقرار ووحدة الدول، بعيداً عن النزاعات المفتعلة والكيانات غير المعترف بها دولياً.
وفي هذا السياق، تزايدت الإشادات الدولية بالمقاربة المغربية في إفريقيا، حيث تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقاءاته ومداخلاته أمام القادة الأفارقة المشاركين، عن أهمية النماذج الإفريقية الناجحة في مجالات التنمية والتعليم والاستثمار في الرأسمال البشري، مع إبراز التجربة المغربية كواحدة من التجارب الصاعدة داخل القارة، خاصة في مجال إصلاح منظومة التعليم والتكوين. كما شدد ماكرون على أن إفريقيا تحتاج اليوم إلى شراكات قائمة على الاستثمار والابتكار وليس فقط على المساعدات التقليدية.
ويأتي هذا التقدير الدولي في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز حضوره القاري من خلال مشاريع استراتيجية كبرى يقودها الملك محمد السادس، سواء عبر المبادرات الاقتصادية والتنموية أو من خلال دعم التعاون جنوب – جنوب، وهي المقاربة التي جعلت المملكة تحظى بثقة متزايدة لدى عدد من الدول الإفريقية.
كما أن اختيار نيروبي لاحتضان هذه القمة يحمل بدوره دلالات سياسية مهمة، خاصة بعد المواقف الأخيرة التي عبرت عنها كينيا الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الحل الواقعي والوحيد ذي المصداقية” لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ويمثل عزيز أخنوش، خلال هذه القمة، جلالة الملك محمد السادس، في تأكيد جديد على الأهمية التي يوليها المغرب للشراكات الإفريقية ولمستقبل القارة، في وقت تتجه فيه العديد من الدول الإفريقية إلى تبني مقاربات براغماتية جديدة تقوم على التنمية والاستقرار والتكامل الاقتصادي، بعيداً عن صراعات الماضي وحسابات الحرب الباردة التي عطلت لسنوات مسار الاندماج القاري.
ويرى مراقبون أن قمة “إفريقيا إلى الأمام” قد تشكل محطة مفصلية في إعادة رسم التوازنات السياسية داخل القارة، خصوصاً مع تراجع الخطابات الإيديولوجية القديمة وصعود منطق الشراكات الاقتصادية الواقعية، وهو ما يمنح المغرب موقعاً متقدماً داخل إفريقيا باعتباره شريكاً موثوقاً وقوة إقليمية صاعدة تجمع بين الاستقرار السياسي والرؤية التنموية والانفتاح الدبلوماسي.






