المغرب يترقب التعيين الملكي لرئيس الحكومة.. ساعات حاسمة بعد تصدر الأصالة والمعاصرة

تتجه أنظار المغاربة، منذ الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، إلى الموعد الذي سيعلن فيه الملك محمد السادس عن رئيس الحكومة المقبلة، بعدما أفرز الاقتراع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، في نتيجة وضعت الحزب للمرة الأولى في موقع قيادة المسار الدستوري لتشكيل الحكومة المقبلة.
ومع دخول المغرب اليوم الجمعة 25 شتنبر، تتكثف التكهنات بشأن موعد التعيين الملكي، وسط تقديرات سياسية وإعلامية تتحدث عن إمكانية أن يتم الإعلان خلال يوم السبت أو الأحد، أي في غضون فترة قصيرة من إعلان النتائج، استناداً إلى السرعة التي طبعت عمليات التكليف في الاستحقاقات التشريعية السابقة. غير أن هذه المواعيد تظل في حدود التقديرات إلى حين صدور الإعلان الرسمي، ولا يوجد في الدستور أجل محدد يلزم بتعيين رئيس الحكومة خلال أربعة أيام.
وتكشف التجارب السابقة عن نمط من السرعة في الانتقال من نتائج الانتخابات إلى التكليف الملكي. ففي انتخابات 2011 جرى الاقتراع يوم 25 نونبر، قبل أن يعين الملك محمد السادس عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة يوم 29 نونبر، أي بعد أربعة أيام. وفي انتخابات 2016، جرى الاقتراع في 7 أكتوبر، وتم تكليف بنكيران في 10 أكتوبر، بينما جرت انتخابات 2021 يوم 8 شتنبر، وتم تعيين عزيز أخنوش رئيساً للحكومة يوم 10 شتنبر. وهي سوابق تؤكد أن التعيين كان يتم خلال فترة زمنية قصيرة، لكنها لا تشكل مهلة دستورية ملزمة.
وبحسب الفصل 47 من دستور المملكة، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وبذلك، فإن تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً وضع الحزب في صدارة المسار الدستوري الجديد، وجعل المرحلة الحالية مختلفة جذرياً عن الأيام التي سبقت الاقتراع، بعدما أصبح السؤال لم يعد متعلقاً بمن سيتصدر الانتخابات، وإنما بمن سيحمل اسم الحزب إلى رئاسة الحكومة.
غير أن نتيجة 97 مقعداً لا تعني امتلاك الأغلبية البرلمانية، إذ يحتاج أي ائتلاف حكومي إلى جمع 198 مقعداً على الأقل لضمان الأغلبية داخل مجلس النواب. ومن هنا تبدأ طبقة ثانية من المشهد السياسي، عنوانها التحالفات والمشاورات، خصوصاً أن التجمع الوطني للأحرار حل ثانياً بـ66 مقعداً، يليه حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، ثم حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، إلى جانب باقي القوى التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
وبين التعيين الملكي والمفاوضات السياسية، يبرز سؤال الشخصية التي ستقود المرحلة المقبلة، وهو السؤال الذي تحول خلال الساعات الماضية إلى واحد من أكثر الأسئلة تداولاً في المشهد السياسي والإعلامي المغربي.
فحزب الأصالة والمعاصرة يدخل هذه المرحلة بتركيبة قيادية تضم عدداً من الوجوه ذات الحضور السياسي والحكومي والمؤسساتي، الأمر الذي جعل التكهنات تتعدد بشأن الشخصية التي يمكن أن يقع عليها الاختيار. وبين الأسماء التي تتكرر في النقاش الإعلامي شخصيات ذات امتداد حزبي وسياسي، وأخرى راكمت خلال السنوات الماضية تجربة في تدبير الملفات الاقتصادية والمالية والرياضية والمؤسساتية.
ويبرز في هذا السياق اسم فوزي لقجع بشكل لافت، بعدما انتقل من موقعه المعروف في تدبير كرة القدم الوطنية والملفات المالية إلى واجهة المشهد الحزبي قبل الانتخابات بأسابيع قليلة، إثر انضمامه إلى الأصالة والمعاصرة ودخوله قيادته السياسية. وقد أعاد تصدر الحزب للانتخابات فتح النقاش حول الدور الذي يمكن أن يلعبه مستقبلاً، خصوصاً أن حضوره أصبح موضوعاً لتغطيات واسعة في الإعلام المغربي والدولي.
ويكتسب حضور لقجع أهمية إضافية بسبب تعدد الملفات التي ارتبط بها خلال السنوات الأخيرة، من الميزانية والمالية العمومية إلى كرة القدم والاستعدادات المغربية لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. ولهذا السبب تحديداً أصبح اسمه حاضراً في عدد من التحليلات التي تناولت هوية الشخصية التي يمكن أن تقود الحكومة المقبلة، من دون أن يكون هناك، إلى حدود الساعة، أي إعلان رسمي يؤكد اختياره.
وفي المقابل، توجد داخل الحزب شخصيات سياسية وقيادية أخرى تحظى بحضور قوي، وعلى رأسها فاطمة الزهراء المنصوري، التي أكدت عقب النتائج أن قرار تعيين رئيس الحكومة يعود إلى الملك، كما أعلنت أن الحزب لا يضع خطوطاً حمراء مسبقة بشأن التحالفات الحكومية. هذه المواقف تعكس بوضوح أن الحزب ينتظر القرار الملكي قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من المشاورات.
وإذا كان اسم لقجع قد أصبح حاضراً بقوة في النقاش، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا جرى استقطابه في هذه المرحلة بالذات، ولماذا اختار الحزب إدخال شخصية ذات حضور وطني ودولي إلى تركيبته القيادية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات؟
لا توجد معطيات رسمية تسمح بالقول إن التحاقه كان بهدف محدد يتعلق برئاسة الحكومة، كما أن تقديم الأمر باعتباره عملية “إنقاذ” للحزب يبقى قراءة سياسية تحتاج إلى أدلة مباشرة. لكن المؤكد أن التوقيت كان لافتاً، وأن حضوره جاء في مرحلة كان فيها الحزب يستعد لاستحقاق انتخابي حاسم، قبل أن ينتهي الأمر بتصدره النتائج الوطنية بـ97 مقعداً. وقد أشارت تقارير إعلامية دولية إلى أن انضمام شخصيات بارزة، من بينها لقجع، ساهم في تعزيز صورة الحزب خلال السباق الانتخابي.
وهنا تبرز خصوصية المرحلة الجديدة. فالمغرب لا ينتظر فقط تعيين رئيس حكومة، بل ينتظر أيضاً ملامح السلطة التنفيذية التي ستدبر السنوات المقبلة، في ظل ملفات اقتصادية واجتماعية كبرى، وتحديات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية والخدمات العمومية، إضافة إلى الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي تتقدم على أجندة الدولة.
كما أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتدبير مرحلة دولية وداخلية دقيقة، في ظل استمرار التحضيرات المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، إلى جانب مواصلة تنفيذ مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الكبرى والإصلاحات الاجتماعية.
أما سياسياً، فإن تصدر الأصالة والمعاصرة لا يمنحه القدرة منفرداً على تشكيل الحكومة، وهو ما يجعل نتائج باقي الأحزاب ذات أهمية كبيرة في تحديد شكل الأغلبية المقبلة. فالحزب الفائز يحتاج إلى أكثر من نصف أعضاء مجلس النواب، ما يعني أن المفاوضات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد تركيبة الحكومة، وعدد الأحزاب المشاركة فيها، وطبيعة توزيع الحقائب والمسؤوليات.
وتشير المعطيات الرسمية المتعلقة بالمسار الانتخابي إلى أن مرحلة تشكيل الحكومة وتعيين رئيسها تأتي بعد استكمال المسار القانوني والمصادقة على النتائج، وهو ما يجعل الساعات والأيام المقبلة مرحلة انتقالية دقيقة بين إعلان النتائج وبداية المشاورات السياسية الفعلية.
وبينما ينتظر المغاربة الإعلان الملكي، تتسع دائرة التكهنات حول الشخصية التي ستدخل قصر الحكومة في المرحلة المقبلة. أسماء تتقدم في الإعلام، وقراءات تتقاطع، ودوائر سياسية تترقب، فيما يبقى القرار النهائي خارج دائرة التوقعات إلى أن يصدر رسمياً.
وإذا صحت التقديرات المتداولة بشأن إمكانية صدور التعيين خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن المغرب سيكون أمام انتقال سياسي سريع من إعلان نتائج الانتخابات إلى بداية مرحلة جديدة من تشكيل الحكومة، على غرار ما حدث في الاستحقاقات السابقة، وإن كانت التجارب الماضية لا تفرض موعداً دستورياً محدداً.
المؤكد في هذه المرحلة أن انتخابات 23 شتنبر غيرت خريطة مجلس النواب، وأن الأصالة والمعاصرة خرج منها متصدراً بـ97 مقعداً، وأن الفصل 47 وضع الحزب في واجهة مسار تشكيل الحكومة، لكن ما يزال مجهولاً هو الاسم الذي سيحمله الملك إلى رئاسة الحكومة، ثم طبيعة الأغلبية التي ستتشكل حوله.
وهكذا، يتحول المشهد السياسي المغربي خلال الساعات المقبلة إلى انتظار مفتوح: انتظار التعيين الملكي أولاً، ثم انتظار التحالفات ثانياً، قبل أن تتضح بصورة كاملة ملامح الحكومة التي ستدبر المرحلة السياسية المقبلة.






