سياسة

“الريف ينتفض: على جماعة العدل والإحسان وفلول اليسار أن يغادروا.. لا مكان للمتاجرين بالأموات ولا بالوطن”

مقال إخباري تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي

شهدت الحسيمة أمس الأربعاء(4 شتنبر 2025)، حدثًا استثنائيًا لم يكن مجرد جنازة عادية، بل محطة فاصلة كشفت عن خيوط لعبة سياسية قذرة حاولت جماعة العدل والإحسان وفلول اليسار حبكها على أنقاض مأساة إنسانية. جنازة والد ناصر الزفزافي تحولت إلى اختبار حقيقي: هل سيبقى الريف رهينة الأطراف التي تتغذى من الأزمات؟ أم سيعلن بوضوح أن لا صوت يعلو فوق صوت الوطن؟ والجواب جاء حاسمًا، صريحًا، وقاطعًا: الوطن أولًا وأخيرًا.

الريف بين الألم والاستغلال

أبناء الريف، المعروفون بشجاعتهم وتضحياتهم عبر التاريخ، كانوا يودعون رجلاً بسيطًا ترك بصمته كأب لأحد أبرز رموز الحراك الاجتماعي. لحظة وداع يفترض أن تطبعها المهابة والاحترام، فإذا بجماعة العدل والإحسان، ومعها بقايا أحزاب يسارية فقدت بريقها منذ عقود، تحاول تحويل المأتم إلى مسرحية سياسية رخيصة. لم يكن هدف هؤلاء المشاركة في الحزن، بل استغلال المناسبة لتمرير رسائل حزبية مشبوهة.

لقد ظهروا هناك بوضوح: وجوه مألوفة في سوق المزايدات، جاؤوا للتقاط الصور مع ناصر الزفزافي، ظانين أن الريف مجرد بوابة لشرعنة وجودهم السياسي الباهت. غير أن الحقيقة كانت أقوى منهم: أبناء الريف يعرفون جيدًا من هو الصادق ومن هو المتاجر بآلامهم، ولم يخفوا استياءهم من هذا السلوك المستفز.

كلمة الزفزافي: رصاصة الرحمة في وجه المتاجرين

في لحظة فارقة، خرج ناصر الزفزافي ليقولها صريحة: “لا صوت يعلو فوق صوت الوطن”. لم يكن مجرد شعار للاستهلاك، بل إعلان موقف تاريخي أجهض كل مخططات العدل والإحسان وفلول اليسار. هذه العبارة القصيرة كانت بمثابة رصاصة الرحمة التي قتلت أوهام من كانوا يطمحون إلى استغلال جنازة رجل بسيط لإعادة إشعال الفتنة في الريف.

الزفزافي، الذي كان بالأمس رمزًا للاحتجاجات، أثبت اليوم أنه ابن بار لوطنه، وأنه لا يقبل أن يُستغل اسمه أو اسم منطقته لأهداف لا تمت بصلة لمصالح الريف. لقد رفع صوته من أجل الوطن، مؤكداً أن وحدة المغرب من طنجة إلى الكويرة غير قابلة للمساومة أو التجزئة،فالوطن هنا هو الدفاع عن الوحدة الترابية،و الوطن هو التشبث بالثوابت،و الوطن هو مع مؤسسات الدولة المغربية.

جماعة تعيش على الأزمات

جماعة العدل والإحسان، منذ نشأتها، لم تترك أزمة إلا وحاولت الركوب عليها. تسعى دائمًا إلى تجنيد الشباب عبر خطاب عاطفي ديني وسياسي، وتوظف آلام الناس كوقود لمشروعها المؤجل. لكنها في الريف اصطدمت بجدار صلب: مجتمع يعرف تاريخه، ويعتز بهويته الوطنية، ولا يقبل أن يتحول إلى مختبر لمغامرات سياسية عابرة.

أما فلول اليسار، فهي لا تختلف كثيرًا عن الجماعة في أسلوبها؛ أحزاب انتهت فعليًا وفقدت القاعدة الشعبية، ولم يبقَ لها سوى التلويح بشعارات قديمة فقدت صلاحيتها. هؤلاء يعيشون على أمجاد الماضي، يحاولون التسلل إلى كل احتجاج أو جنازة، لكنهم يكتشفون في كل مرة أن الزمن تجاوزهم وأن الناس لم يعودوا يثقون في خطاباتهم الفارغة.

حرمة الموت التي دُنست

أكثر ما أثار غضب الريفيين هو أن هؤلاء لم يحترموا حتى حرمة الموت. الجنازة التي يفترض أن تكون لحظة حزن خالص، تحولت في نظرهم إلى مناسبة للظهور الإعلامي والركوب السياسي. هذا السلوك اعتبره أبناء المنطقة إهانة صريحة لأخلاق الريف ولتاريخه، بل اعتبروه استفزازًا متعمدًا يهدف إلى إدخال المنطقة من جديد في دوامة التوتر.

لقد أثبت أهل الريف، بردة فعلهم الرافضة، أنهم أرقى من كل هذه المناورات. فهم الذين يريدون اليوم تضميد الجراح واستعادة الاستقرار، لا إشعال الحرائق بأيدي غرباء يتخذون من معاناة الآخرين مطية لأهدافهم الخفية.

محاولات فاشلة لإشعال الفوضى

تحدثت مصادر محلية عن تسلل بعض الغرباء وسط المشيعين، ودفعهم إلى رشق القوات العمومية بالحجارة. محاولة مدروسة لتأجيج الوضع وتحويل الجنازة إلى مواجهة. لكن الريفيين كانوا أوعى من ذلك، ورفضوا الانجرار إلى الفوضى. والأهم أن البلاغ الذي صدر عن الزفزافي ورفاقه من داخل السجن، والذي أدان أعمال العنف بشكل واضح، جاء ليقطع الطريق أمام كل من يحاول اللعب بالنار.

بهذا البلاغ، أعلن قادة الحراك أنفسهم أنهم ضد أي استغلال سياسي أو حزبي للريف، وأنهم يقفون مع الأمن والاستقرار. كانت رسالة صادمة للمزايدين الذين ظنوا أنهم سيجدون غطاءً من داخل السجن لمغامراتهم.

الريف تاريخ من الوطنية لا يُباع

إن من يراهن على الريف ليحقق أجندات مشبوهة يجهل التاريخ. فالريف ليس منطقة تائهة تبحث عن هوية، بل هو قلب نابض من قلوب المغرب. في أحضان جباله دُفن أبطال قاوموا الاستعمار الإسباني والفرنسي، وكتبوا بدمائهم تاريخ الحرية والسيادة. من عبد الكريم الخطابي إلى المقاومين المجهولين، ظل الريف خزانًا للوطنية الصادقة، لا للانفصال ولا للفتنة.

اليوم، يثبت الريفيون مرة أخرى أنهم على العهد، وأن وطنهم خط أحمر. فما قاله الزفزافي لم يكن موقفًا فرديًا، بل صدى لإرادة جماعية ترفض أن يُستغل الريف من طرف جماعة هنا أو حزب هناك.

رسالة واضحة إلى العابثين

الرسالة التي خرجت من جنازة والد الزفزافي كانت أشد وضوحًا من أي بيان سياسي: الريف مع الوطن، الريف ضد المزايدات، الريف يرفض الاستغلال. وعلى جماعة العدل والإحسان، وفلول اليسار الذين يقتاتون على أزمات الآخرين، أن يفهموا أن لا مكان لهم هنا. إذا كانوا يبحثون عن فضاء للمتاجرة بالشعارات، فليبحثوا عنه خارج الريف.

 الريف لا يُستغل

لقد انتهت لعبة الركوب على الأحداث. فالريف، الذي عانى الكثير، اختار اليوم طريقه بوضوح: لا صوت يعلو فوق صوت الوطن. من طنجة إلى الكويرة، من الريف إلى الصحراء، الكلمة واحدة: المغرب واحد لا يتجزأ.

ولذلك، على جماعة العدل والإحسان وفلول اليسار أن يغادروا الريف، لأن التاريخ لن يرحمهم، ولأن الريف لن يسمح لهم بالعبث مجددًا. إنها معركة الوعي ضد المزايدة، معركة الحقيقة ضد الوهم، معركة الوطن ضد المتاجرين به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى