مجلس جهة فاس-مكناس في “عمان” وساكنته في “الأوحال”.. حين تُنفق الملايين على “سياحة المعارض” والجهة تئن تحت وطأة الإهمال

في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة جهة فاس-مكناس تدخلاً عاجلاً لفك العزلة عن الدواوير المحاصرة بالثلوج، وفي عز الأزمة التي تعيشها المجازر البلدية “المتعفنة”، اختارت رئاسة مجلس الجهة ووفد عريض من نوابها “الهروب إلى الأمام” – أو بالأحرى الهروب إلى الأردن – تحت ذريعة تنظيم معرض للمنتوجات المجالية بمدينة الحسين للشباب بعمان.
“رحلة الملذات” على حساب المال العام
بينما ينعم نواب الرئيس بليالي الفنادق الفاخرة وتجول في شوارع عمان، تاركين خلفهم جهة “غارقة في الأوحال”، يطرح الشارع الفاسي تساؤلات حارقة حول “الجدوى الاقتصادية” من شد الرحال إلى الأردن. فالمعرض الذي يُروّج له كمبادرة لتبادل الخبرات، يبدو في واقعه “خاوياً على عروشه” من أي قيمة مضافة حقيقية تخدم الفلاح الصغير أو الصانع التقليدي الذي يصارع البقاء في جبال الأطلس.
إليك الفقرة الختامية المضافة للمقال، بصياغة نقدية لاذعة تضع التباين بين مشهد البذخ في الخارج والواقع المأساوي في الداخل تحت المجهر:
مفارقة “الأهازيج” و”الأنين”: حين يرقص المسؤول على جراح الرعايا
وفي قمة الانفصال عن الواقع، وبينما كان نواب رئيس مجلس الجهة يتمايلون ويترنحون على إيقاعات الفلكلور الأردني الذي يترنم بأمجاد “عمان”، كان هناك في أعالي جبال الجهة المنسية واقع آخر يقطر مأساوية؛ هناك، حيث انقطعت السبل بساكنة دواوير بأكملها بسبب الأوحال وانهيار المسالك، تحول البحث عن “دابة” أو “محمل أموات” إلى معركة حياة أو موت لنقل المرضى والنساء الحوامل. في فاس-مكناس، يقطع المواطن الكيلومترات مشياً وسط الزمهرير للوصول بصعوبة بالغة إلى أقرب طريق رئيسي، بينما المسؤول الذي اؤتمن على صوته ينفق “مال اليتامى” في فنادق الأردن ويصفق للأهازيج، في مشهد يجسد أبشع صور الاستهتار بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية. إنها “سكيزوفرينيا” تدبيرية تجعل من أنين الحوامل في المداشر المنسية خلفية بئيسة لرقصات المسؤولين في القاعات المكيفة، لتظل الصرخة قائمة: “من للفقراء حين يلهو الكبراء؟”
الحسابات الصادمة.. طرقات ومجازر مقابل “تذاكر طيران”
بعملية حسابية بسيطة، نجد أن الميزانية الضخمة المخصصة لهذا الوفد “العرمرم” – الذي يضم العشرات من المشاركين والمسؤولين – كانت كافية لو تم توجيهها داخلياً لـ:
-
تأهيل المجازر البلدية: التي تخرج منها لحوم تُذبح وسط “مستنقعات” من القاذورات، مهددة الصحة العامة للمواطنين.
-
فك العزلة: إصلاح الكيلومترات من الطرق المسدودة التي منعت التلاميذ في البوادي من الوصول إلى فصولهم الدراسية بسبب الأمطار والثلوج.
-
البنية التحتية: شراء الجرافات لمواجهة الفيضانات التي باتت تغرق أحياءً بأكملها عند أول زخة مطر، بدلاً من صرفها على “بروتوكولات” وصور تذكارية في عمان.
-
إليك الفقرة الختامية المضافة للمقال، بصياغة نقدية لاذعة تضع التباين بين مشهد البذخ في الخارج والواقع المأساوي في الداخل تحت المجهر.
انفصال تام عن الواقع (سكيزوفرينيا تدبيرية)
إن من يدبر شؤون جهة فاس-مكناس يبدو أنه يعيش في “برج عاجي” منفصل تماماً عن معاناة “الأهالي بالأعالي”. فكيف يستقيم العقل والمنطق حين نرى ميزانية الجهة تُستنزف في رحلات دولية، بينما تلاميذ القرى يتوقفون عن الدراسة قسراً بسبب غياب القناطر والطرق، وبينما تعيش الساكنة حالة حصار طبيعي في الجبال دون مؤونة أو تدفئة؟
من يحاسب من؟
إن هذا “البذخ المستفز” في الأردن هو طعنة في كرامة المواطن بجهة فاس-مكناس الذي يرى ماله العام يُبدد في معارض “فولكلورية” لا تسمن ولا تغني من جوع. إننا أمام “عبث تدبيري” يتحمل مسؤوليته كافة أعضاء المجلس الذين صفقوا لهذه الرحلة، متجاهلين أن دورهم الحقيقي هو في دواوير “بولمان” و”إيفران” و “تاونات” “مولاي يعقوب” و تازة”” الحاجب و صفرو” وأحياء “فاس و مكناس” المهمشة، وليس في فنادق “عمان”.
أزمات الجهة لا تُحل بـ “رحلة في روائع الحرف المغربية” في الخارج، بل تُحل بـ “النزول إلى الأوحال” وتغيير الواقع المزري للمواطن. إن مجلس الجهة اليوم مطالب بتقديم من هي الجمعيات المشاركة و كيف تم تأهيلها و هل يمكن القول أنها جمعيات موالية و تخدم أجندة الأحزاب و المنتخبين،و كذلك كشف حساب دقيق عن تكاليف هذه السفريات وعن العائد الحقيقي لها، وإلا فإن صمت الجهات الرقابية سيعتبر تواطؤاً مع هذا الهدر الممنهج لمقدرات الجهة.
“دبلوماسية التبذير” وأقنعة الانفتاح الزائفة
وعندما يُحاصر هؤلاء بالأسئلة، يخرجون بوجوه شاحبة ليتشدقوا بمصطلحات فضفاضة من قبيل “الانفتاح” و”الدبلوماسية الموازية” لتبرير سفرياتهم الباذخة؛ لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال لهؤلاء بوضوح: “انفتحوا أولاً على محيطكم المتردي واهتموا بمعاناة رعاياكم في الدواوير المنسية، فالدبلوماسية لها مؤسساتها ورجالاتها المتخصصون الذين لا ينتظرون ‘سياحة المنتخبين ‘ لتمثيل البلاد”. إن هذه التحركات العشوائية لا تضيف للمغرب شيئاً بقدر ما تسيء للمجلس الذي تمثلونه ولساكنة وضعت ثقتها في أحزاب “متخاذلة” تبحث عن مصالح ضيقة وتحول العمل الانتدابي إلى غنائم شخصية. إن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ من جودة الطرق في “عين مديونة” و”أجدير “، ومن كرامة المواطن في “بولمان ” وأزرو، وليس في قاعات عمان التي تنكرتم فيها لكل وعودكم الانتخابية.






