سياسة

العمال العرضيين بجماعة فاس: القنبلة الموقوتة التي تهدد استقرار المجلس، وعمدة المدينة يتحمل المسؤولية

لطالما كان العمل البلدي في فاس يعكس صورة من صور الخدمة العامة التي تحترم حقوق موظفيها وتعمل على تحسين مستوى المعيشة للمواطنين، لكن الواقع اليوم يعكس صورة قاتمة تُظهر أن عمال العرضيين في جماعة فاس أصبحوا ضحية التهميش والإهمال المستمر. مع مرور أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يتسلم هؤلاء العمال أجورهم التي وصفوها بـ”الهزيلة”، تعيش المدينة حالة من التوتر الاجتماعي بسبب عدم تحرك المجلس الجماعي، وعلى رأسه العمدة عبد السلام البقالي، لوضع حد لهذه الإشكاليات.

يعتبر أكثر من 900 عامل عرضي في جماعة فاس، يعملون في قطاعات حيوية تشمل الإدارة المحلية والخدمات العامة، ركيزة أساسية في سير العمل داخل المدينة. هؤلاء العمال يساهمون في تحقيق النجاعة والفعالية في المرفق العام، ويعتبرون أحد الأعمدة التي تدير شؤون المدينة. ورغم هذا الدور المحوري، فإنهم يواجهون واقعًا صعبًا، حيث يشتكون من تأخير مستمر في صرف أجورهم وعدم الاعتراف بمساهماتهم بشكل كافٍ. وهو ما دفعهم للتعبير عن استيائهم من هذا التهميش الذي يطالهم رغم سنوات طويلة من العمل المتواصل.

لكن القصة لا تتوقف عند تأخير الأجور، فالأمر يتعدى ذلك إلى وضعية اجتماعية مزرية تهدد مستقبل هؤلاء العمال وأسرهم. على الرغم من أن العديد منهم قضوا أكثر من 30 سنة في العمل، إلا أنهم لا يتمتعون بأي حماية اجتماعية أو تأمين صحي، مما يضعهم في خطر حقيقي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. كما أنهم لا يستفيدون من أي برامج دعم اجتماعي، ما يزيد من معاناتهم اليومية. هذه الممارسات تتعارض تمامًا مع التوجيهات الحكومية التي تضمن للعمال حقوقهم في الرعاية الاجتماعية.

ومع هذا الواقع المزري، يتحمل عمدة فاس، عبد السلام البقالي، المسؤولية الأولى في الوضع القائم. فبدلاً من التحرك العاجل لمعالجة هذه الأوضاع، تخلّى العمدة عن تقديم أي توضيحات رسمية بشأن تأخير الأجور، وهو ما يعكس ضعفًا في القيادة ولامبالاة تجاه حقوق العمال. ومن المؤسف أن هذا الصمت من جانب المجلس الجماعي يعكس تجاهلًا تامًا لمطالب العمال، الذين لا يجدون من يساندهم في هذه المحنة.

ما يزيد الوضع تعقيدًا هو الشبهات التي تحوم حول اللوائح المستفيدة من هذه المناصب، سواء في مجلس المدينة أو المقاطعات الستة التابعة لها. إذ يُلاحظ وجود تمييز في التعيينات، حيث تمتلئ هذه اللوائح بالأسماء المرتبطة بالانتماءات الحزبية أو الشخصيات ذات النفوذ المحلي. هذه الممارسات تفتح المجال أمام الريع السياسي والزبونية التي تضر بمصلحة المواطن الفاسي وتعرقل عمل المرفق العام.

الحديث عن “اللوائح المستفيدة” يعني أن هناك استغلالًا للمناصب في سياقات حزبية ضيقة، حيث يتم توظيف أناس ليسوا بالضرورة الأكثر كفاءة، ولكنهم الأقرب من الناحية السياسية أو الشخصية لبعض المسؤولين. هذا يُعتبر خرقًا صارخًا لمبادئ الشفافية والمساواة في الحصول على الوظائف العمومية، وهو ما يساهم في إضعاف الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.

حتى الآن، لم تقدم جماعة فاس أي أرقام واضحة بشأن التعيينات التي تمت في السنوات الأخيرة، ولا يوجد دليل واضح يثبت أن هذه المناصب تم شغلها بناءً على أسس قانونية ومهنية. بل إن الأوضاع الحالية تؤكد أن الممارسات الحزبية والزبونية هي التي تتحكم في تعيينات هؤلاء العمال العرضيين، مما يُزيد من حالة الإحباط العام. كما أن تقارير مستقلة تُظهر أن العديد من هؤلاء العمال لا يُكلفون بمهام حقيقية تساهم في تحسين الخدمات أو سير العمل الإداري، بل إن بعضهم يظل بلا عمل حقيقي لفترات طويلة، ما يعكس سوء توزيع الموارد البشرية داخل المجلس.

بناءً على ما تقدم، يُستوجب على وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات التدخل بشكل عاجل للتحقيق في كيفية إدارة هذا الملف حفاظا على المال العام، بداية من التعيينات ووصولًا إلى الأجور المستحقة. يجب أن يتضمن التحقيق التحقق من اللوائح المستفيدة، والتأكد من مدى احترام القوانين المنظمة للعمل داخل المؤسسات العمومية، لا سيما تلك المتعلقة بالحد الأدنى للأجور، وكذلك التأمينات الاجتماعية التي يحق للعمال الحصول عليها.

كما يجب على عمدة فاس، عبد السلام البقالي، أن يتحمل المسؤولية كاملة عن الأوضاع الحالية، وعليه أن يقدم تفسيرًا شفافًا للمواطنين وللعاملين في الجماعة بشأن الإجراءات التي سيتم اتخاذها لتسوية هذا الملف، وأن يسارع في اتخاذ خطوات عملية لضمان حقوق العمال والحفاظ على الاستقرار الإداري داخل جماعة فاس.

إن الوضع القائم في جماعة فاس لا يُمكن أن يستمر، والمطالب بحقوق العمال العرضيين هي مطالب مشروعة تتطلب استجابة عاجلة من جميع الأطراف المعنية. لكن الأهم من ذلك، هو أن يتحمل عمدة المدينة، عبد السلام البقالي، المسؤولية عن هذا التدهور في الظروف المعيشية للعمال، وأن يتم اتخاذ إجراءات جادة لمعالجة هذه القضايا بشكل عادل وفعّال، بما يعكس التزام المجلس الجماعي بمبادئ الشفافية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى