حرب البلاغات تهز “جنان السبيل” بفاس.. اتهامات متبادلة داخل الأغلبية ومطالب بتدخل عاجل لوالي الجهة لفتح تحقيق في الاختلالات

عادت مجموعة الجماعات الترابية “جنان السبيل” بجهة فاس مكناس إلى واجهة الجدل من جديد، بعدما تحولت الخلافات الداخلية داخل المجلس إلى حرب بيانات وبلاغات متبادلة بين رئيسة المجموعة فدوى دادون وعدد من العضوات المنتميات لنفس الأغلبية المسيرة، في تطور يكشف أن المؤسسة التي يفترض أن تضطلع بأدوار استراتيجية في تدبير عدد من الملفات الترابية والخدماتية، تعيش على وقع توتر داخلي غير مسبوق.
وكانت رئيسة المجموعة قد خرجت ببلاغ بعنوان “بيان حقيقة للرأي العام”، حاولت من خلاله الرد على ما وصفته بـ”المغالطات والافتراءات” التي تستهدف التشويش على السير العادي للمجموعة والتشكيك في جهود الإصلاح الإداري والمالي، مؤكدة أن دورات المجلس تنعقد وفق الضوابط القانونية والتنظيمية، وأن كل القرارات المتخذة تتم داخل الإطار المؤسساتي المعمول به.
غير أن الرد لم يتأخر كثيراً، بعدما خرجت عضوتان من داخل الأغلبية نفسها، وهما نادية البحيح وجميلة منشرح، ببلاغ مضاد كشف حجم الاحتقان داخل المجلس، ونسف عملياً الرواية التي حاول بيان الرئيسة تسويقها للرأي العام.
وأكدت العضوتان أن دورة ماي الأخيرة لم تمر في “أجواء عادية” كما جاء في بيان الرئيسة، بل عرفت انسحاب ثلاثة أعضاء من أشغال الدورة، من بينهم النائبة الأولى للرئيسة ورئيس لجنة المالية، إضافة إلى امتناع أربعة أعضاء عن التصويت، من ضمنهم كاتب المجلس، وهو ما اعتبرته العضوتان مؤشراً واضحاً على وجود أزمة داخلية واختلالات في طريقة التدبير والتسيير.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاختلاف السياسي أو تباين وجهات النظر، بل امتد إلى اتهامات مباشرة تتعلق بطريقة الإعداد للدورات واللجان، حيث تحدث البلاغ المضاد عن غياب دعوات مسبقة لاجتماعات المكتب، وعدم انعقاد لجنة المالية وفق ما تفرضه المساطر القانونية، فضلاً عن حرمان الأعضاء من الاطلاع على الوثائق والمعطيات المرتبطة بالتدبير والتسيير.
وفي لغة سياسية حادة، اتهمت العضوتان رئيسة المجموعة بتكريس “الأسلوب الأحادي” في التسيير وإقصاء الأعضاء من حقهم في المشاركة والاطلاع على الوثائق، معتبرتين أن احترام القانون والمؤسسات لا يمكن أن يتحول إلى “امتياز يمنح أو يمنع حسب المزاج”.
اللافت في هذا الصراع أنه لم يعد محصوراً داخل الكواليس أو الاجتماعات المغلقة، بل خرج بشكل علني إلى الفضاء العام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، في صورة تعكس حجم التصدع داخل الأغلبية المسيرة نفسها، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة ما يجري داخل هذه المؤسسة الترابية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن تبادل الاتهامات والبلاغات داخل مؤسسة يفترض أن تشتغل بمنطق الانسجام والعمل الجماعي، يكشف وجود أزمة ثقة عميقة بين مكونات المجلس، خاصة أن الأمر يتعلق بأعضاء ينتمون إلى الأغلبية ذاتها وليس بمعارضة سياسية تقليدية.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة الجدل القديم الذي رافق مجموعة “جنان السبيل” خلال السنوات الماضية، حيث سبق للمجموعة أن عاشت على وقع صراعات متكررة وتوترات مع عدد من العمال والمستخدمين، إضافة إلى شكاوى وانتقادات مرتبطة بطريقة التدبير الإداري والمالي، وهو ما جعل اسم المؤسسة يحضر أكثر في دائرة الجدل والأزمات بدل الارتباط بصورة مؤسسة خدماتية وتنموية.
ويعتبر متابعون أن أخطر ما تكشفه هذه البلاغات المتبادلة ليس فقط وجود خلافات سياسية، بل الإقرار الضمني بوجود اختلالات في الحكامة والتسيير، خصوصاً حين تتحدث عضوات من داخل الأغلبية عن غياب الشفافية وعدم احترام المساطر القانونية وإقصاء المنتخبين من الوثائق والمعطيات.
كما أن لجوء الرئيسة إلى إصدار بيان باسم المؤسسة والرد على منتقديها دون الرجوع إلى المكتب المسير أو التشاور مع أعضائه، وفق ما ورد في البلاغ المضاد، يفتح بدوره نقاشاً واسعاً حول طبيعة التدبير المؤسساتي داخل المجموعة وحدود احترام مبدأ العمل الجماعي.
وفي ظل هذا الوضع المتوتر، تتزايد الأصوات المطالبة بتدخل عاجل من طرف خالد آيت الطالب من أجل فتح تحقيق إداري مستعجل للوقوف على حقيقة ما يجري داخل مجموعة “جنان السبيل”، خاصة أن الأمر لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحول إلى سجال علني يتضمن اتهامات مباشرة مرتبطة بالتدبير والحكامة واحترام القانون.
ويرى فاعلون محليون أن استمرار هذا الوضع يسيء إلى صورة المؤسسات المنتخبة بالجهة ويضرب ثقة المواطنين في المجالس الترابية، خصوصاً في مرحلة يفترض أن تنكب فيها هذه المؤسسات على معالجة الملفات التنموية وتحسين الخدمات بدل الغرق في الصراعات الداخلية وتبادل الاتهامات.
كما يحذر متابعون من أن استمرار حالة الاحتقان داخل المجموعة قد ينعكس بشكل مباشر على السير العادي للمرفق العمومي وعلى مصالح المواطنين، في ظل تعطل منطق الانسجام المؤسساتي وسيادة أجواء التوتر والانقسام.
اليوم، تبدو مجموعة “جنان السبيل” أمام منعطف حقيقي، فإما فتح صفحة جديدة تقوم على الشفافية واحترام القانون والعمل الجماعي، أو استمرار مسلسل الصراعات الذي قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الرقابية والإدارية، خاصة بعدما خرجت الخلافات من الغرف المغلقة إلى الرأي العام بشكل غير مسبوق.
وبين بلاغ الرئيسة وبلاغ العضوات الغاضبات، يبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه بقوة داخل جهة فاس: هل يتعلق الأمر فقط بخلافات سياسية عابرة، أم أن ما يظهر على السطح اليوم يخفي اختلالات أعمق داخل واحدة من أكثر المجموعات الترابية إثارة للجدل بالمنطقة؟






