سياسة

الشباب في الخطاب الانتخابي.. الحطب الموسمي لأحزاب بلا مشروع

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تنبعث فجأة خطابات “التمكين” و”التجديد” من أفواه الأحزاب السياسية، وكأنها تكتشف لأول مرة وجود فئة تُشكل غالبية المجتمع: الشباب. تتكثف الوعود، وتُضاء المنصات، وتُوزع الابتسامات المصطنعة في المنتديات والمهرجانات، لكن الواقع يُكذّب كل هذا البهرج الخطابي ما إن تُغلق صناديق الاقتراع.

الحقيقة أن الشباب المغربي لم يعودوا يبتلعون الطُعم بسهولة. لقد جرّبوا مرارًا كيف يُستدعون في الحملات كـ”زينة ديمقراطية”، ثم يُعاد ركنهم على الرفّ في صمت، إلى الانتخابات المقبلة. من يراقب قوائم الترشيح يدرك أن الخطاب عن الشباب لا يتجاوز حدود التسويق، وأن “التجديد” لا يعني سوى تدوير الوجوه داخل نفس العائلات الحزبية، أو استقطاب أسماء شابة بلا رأي، تُستعمل كواجهة، وتُستبعد عند القرار.

ما يجري ليس عجزًا عن إدماج الشباب، بل إرادة مبيّتة لإبقائهم خارج المعادلة. الأحزاب لا تملك الجرأة لفتح بنياتها على طاقات حقيقية، ولا تطيق صوتًا مختلفًا. تفضّل التعامل مع الشباب كـ”زينة انتخابية” لا أكثر، تصفّق في المهرجانات، وتملأ الكراسي في الصور الجماعية، لكنها تُقصى من المجالس واللجان الحقيقية.

النتيجة الطبيعية لهذا التزييف المستمر هي اتساع هوة فقدان الثقة، وعزوف متزايد لدى الشباب عن التسجيل والتصويت، ناهيك عن الترشح أو الانخراط في العمل السياسي. فمن ذا الذي يقبل أن يُستعمل كل خمس سنوات كأداة إشهار لمشروع لا يؤمن به أصحابه أصلًا؟

تجاوز هذا العبث يتطلب قبل كل شيء ثورة داخلية في عقلية الأحزاب. لا بد من القطع مع منطق “الرمزية الوقتية”، والتوجه نحو تمكين حقيقي يمنح الشباب سلطة القرار لا ديكور المكاتب. كما أن الدولة مطالبة بدورها بتحفيز العمل السياسي الحقيقي، لا مجرد ضخ التمويلات، بل خلق بيئة ديمقراطية تكفل حرية التعبير والانخراط بعيدًا عن التوجيه والمسرحة.

الشباب المغربي لا تنقصه الكفاءة ولا الطموح، ما ينقصه هو نظام سياسي يُؤمن به ويمنحه موقعًا حقيقيًا في البناء، لا فتاتًا موسمياً ينتهي مفعوله مع انتهاء الحملة الانتخابية. الخطاب لم يعد يكفي.. والجيل الجديد يطالب بالفعل لا التمثيل الرمزي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى