حوادث

تحقيق خاص / جريمة على طريقة المشرحة: عندما يصبح الطبيبُ قاتلًا لزوجته الطبيبة.. والغيرة مشرطًا يقطع بلا رحمة

من قصة حب في كلية الطب إلى جريمة تقشعرّ لها الأبدان… طبيب يجهز على زوجته، يقطع جسدها، ويطمرها في أرضٍ نشأ فيها صغيرًا، بعد أن سافر إليها من فاس بحقدٍ قاتل.

 مأساة داخل وزرة بيضاء

منذ اللحظة الأولى، بدت القصة كأنها مقتطف من رواية سوداء: طبيبان شابان، جمعت بينهما كلية الطب في زمن سابق و لتعود بهم الأيام الى أن إلتقوا في مستشفى وهم يداوون جراح المرضى،قد نقول أنه كان هناك الحب، الزمالة، ثم الزواج والأبناء… ولكنها انتهت على طريقة مشرحة، بدم بارد، وسيناريو لا يرتكبه سوى محترف نزع من قلبه آخر ذرة رحمة.

في جماعة “أحد أولاد أزباير” بإقليم تازة، وعلى بعد أمتار من منزل الطفولة، أنهى الطبيب حياة زوجته الطبيبة، ودفن جثتها في حديقة المنزل العائلي، كما تُدفن بقايا الملفات المنتهية الصلاحية… في صمت، وتحت الأرض.

 الغيرة… شرارة الجريمة

التحقيقات الأولية كشفت أن العلاقة بين الزوجين كانت تمرّ بتوتر متصاعد منذ أشهر. مصادر قريبة منهما تحدّثت عن شجارات متكررة، تدخل فيها الأقارب وزملاء المهنة لمحاولة التهدئة. ولكن الأسبوع الأخير عرف تحولاً خطيرًا.

الزوج بدأ يروّج في محيطه شكوكًا عن “علاقة غير شرعية” محتملة تجمع زوجته بأحد الموظفين في المؤسسة الصحية التي يعملان بها. رغم نفي جميع الأطراف، لم يتراجع. بل دخل في شجار حاد مع الموظف المشكوك فيه، حضر فيه شقيقه القادم من فرنسا، وتدخلت المصالح الأمنية وسجلت محضرًا رسميًا للواقعة.

لكنّ الشك صار أقوى من كل شيء، أقوى من التاريخ المشترك، من الأبناء الثلاثة، ومن سنوات العِشرة… إلى أن انفجرت فكرته الجهنمية: قتل.

 من فاس إلى “الدفن”

يوم الجريمة، غادر الزوج مدينة فاس، متجهًا إلى مسقط رأسه، حيث منزل العائلة. لم تكن رحلة اعتيادية، بل كانت رحلة انتقام صامت، قرر في نهايتها أن ينهي حياة زوجته بنفسه، داخل جدران البيت الذي نشأ فيه.

في لحظة مروعة، داخل غرفة مغلقة في المنزل، أجهز الطبيب على زوجته، وبعدها – ووفق ما تشير إليه التحقيقات – قام بتقطيع جسدها إلى أشلاء، مستخدمًا أدوات مهنية يُرجح أنها من نوع تلك التي كان يستخدمها في مهنته الطبية.

ولأن الجريمة كانت مدروسة، عمد الجاني إلى دفن الجثة في الحديقة الخلفية للمنزل، في حفرة حديثة الحفر، متوهمًا أن طمر الجسد سيطمر الحقيقة معه.

 الكاشف الصامت: آخر اتصال وتعقب الهاتف

عندما تأخرت الضحية عن العودة إلى فاس، تحركت عائلتها للبحث عنها. الزوج – في محاولة ماكرة للتمويه – انخرط في العملية، وتقدّم بنفسه، رفقة والدها، ببلاغ إلى الشرطة حول “اختفاء غامض” لزوجته.

لكن رجال الشرطة القضائية لم يقعوا في فخ الرواية الملفقة. تحقيقاتهم بدأت من تعقب الموقع الجغرافي لهاتف الضحية، والذي بيّن أن آخر إشارة اتصال صادرة عن الهاتف تم تسجيلها من منزل الزوج في أحد أولاد أزباير.

كما كشف المحققون عن وجود آخر مكالمة هاتفية تلقتها الضحية من زوجها نفسه، مما جعل فرضية ضلوعه في الجريمة تتعزز بسرعة.

 البحث يفضح المستور

باشرت عناصر الأمن عملية تمشيط دقيقة لمحيط المنزل، بمساعدة الشرطة العلمية والكلاب المدربة. وخلال التفتيش، عُثر على بقع دم في سيارة الزوج، المركونة في باحة المنزل، ثم تم اكتشاف الحفرة المشبوهة في الحديقة الخلفية.

وما خرج منها لم يكن جثة طبيبة فقط… بل أشلاء مقطعة، في جريمة تُعيد للأذهان صور مشرحة دامية نفذها شخص خبير، يعرف تمامًا كيف يقطع، وأين يضرب، وكيف يُخفي.

النيابة العامة أمرت على الفور بإجراء تشريح طبي دقيق للجثة بمستشفى الغساني، في حين تم إصدار مذكرة بحث وطنية في حق الطبيب القاتل، الذي اختفى مباشرة بعد افتضاح أمره.

فرضية جثة في الحقيبة ودم في السيارة… حين خان الطبيب وزرته ومشرحه

كل خيوط الجريمة تتشابك لتنسج سيناريو مرعبًا، تُرجّحه المعطيات الجنائية بشكل متصاعد: آثار الدم داخل سيارة الزوج لم تكن مجرد تفصيل عرضي، بل دليلٌ دامغ على أن الجريمة لم تُرتكب في بلدة “أحد أولاد أزباير” حيث تم اكتشاف الجثة، بلأن هناك فرضية  داخل منزل الزوجين بمدينة فاس، حيث يشتغل كلاهما في قطاع الصحة، وحيث بدأت القصة وانتهت بفصل دامي.

الفرضية الأقوى اليوم، التي باتت شبه مؤكدة، تفيد أن الطبيب القاتل نفذ جريمته داخل بيت الزوجية بفاس، وهناك مارس فعلًا طبّيًا معكوسًا: مشرحة منزلية، قتل وتقطيع منهجي لأشلاء زوجته، ولفّ الجثة في حقيبة سفر، في مشهد يذكّر بأبشع ما عرفته جرائم القتل الجنائي المدروس. بعدها، قاد سيارته وهو يحمل أشلاء الضحية، وسافر بها أكثر من 100 كلم نحو بلدته، ليختار حديقة منزل العائلة مسرحًا أخيرًا لدفنها، معتقدًا أن التراب سيُسكت صراخ الدم.

لكن الدم لا يصمت، والجثة لا تخون. الأبحاث القضائية متواصلة، والطبيب الشرعي يستعد لكشف كيفية القتل، نوع الأدوات المستخدمة، ومتى وأين وقعت الجريمة بدقة. تلك الأدوات التي لطالما كانت في يد الجاني لأجل إنقاذ الأرواح، تحوّلت إلى أسلحة تقطع وتخفي وتدفن… في خيانة مزدوجة للإنسان والمهنة.

القاتل قد يكون الآن هاربًا، لكن العدالة لا تعرف التعب. فالجريمة قد تُدفن مؤقتًا، لكن الحقيقة لا تموت. والقتل لا يتقادم، والدم لا يُمحى، وستأتي لحظة يُكشف فيها الستار عن واحدة من أبشع الجرائم التي ضربت القطاع الصحي بالمغرب، جريمة تعرّت فيها أخطر وجوه الانحراف داخل النخبة، حين يتحول الطبيب إلى جلادٍ يكتب موته بتوقيع مشرحة.

 صدمة في الجسم الطبي… وصمت رسمي قاتل

هذه الجريمة المروعة لم تهز فقط عائلة الضحية، بل خلّفت صدمة نفسية عميقة في صفوف زملائها داخل المستشفى، وفي الجسم الطبي عموماً. مؤسسات الصحة بالجهة تلتزم الصمت، بينما الشغيلة الصحية تتحدث في الخفاء عن “بيئة متوترة”، و”علاقات مهنية مختلة”، و”انفجار العنف وسط النخب”.

الأسوأ أن هذه الجريمة لم تأتِ من الهامش الاجتماعي، بل من داخل النخبة التعليمية، من شخص يُفترض به إنقاذ الأرواح… لا إزهاقها.

 الطبيب الذي خنق القسم

في هذه الجريمة، لم يُقتل جسد فقط… بل ذُبِح قسم أبقراط، ودُفنت المهنة مع جثة الطبيبة المغدورة. الجاني كان يفترض به أن يطبّب، لكنه قرر أن يقطع، وأن يدفن الحقيقة مع الجثة، في تراب يعرفه، لكنه نسي أن العدالة لا تُدفن.

لقد قُتلت طبيبة لأنها كانت ضحية شكٍ مريض، وعُذب جسدها لأن قاتلها كان بارعًا  ومحترفا في التشريح… ولكن نسي أن القاتل مهما احترف، فإن رائحة الدم أقوى من أي حفرة، وأسرع من أي هروب.

تحقيق خاص – عبدالله مشواحي الريفي
(حقوق النشر محفوظة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى